story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
حكومة |

حقوقيون وسياسيون ينتقدون صمت الحكومة خلال فيضانات الغرب والشمال

ص ص

شهدت مناطق واسعة من منطقة الغرب وشمال المملكة خلال الأيام الأخيرة فيضانات قوية بفعل التساقطات المطرية الغزيرة والارتفاع غير المسبوق في منسوب الأودية والمجاري المائية، ما حوّل حياة آلاف الأسر إلى حالة طوارئ مفتوحة، بعدما غمرت المياه الأحياء السكنية و تضررت المنازل ،و اضطرت العديد من الأسر إلى مغادرة بيوتها في ساعات متأخرة من الليل.

وقد أجلت السلطات ما مجموعه 108.423 شخصا خلال الأيام الأخيرة، في عمليات استعجالية، شملت عددا من الأقاليم المتضررة، خصوصا بجهتي الغرب والشمال، درءا لمخاطر محتملة على الأرواح، ورغم المجهودات الميدانية المبذولة من طرف السلطات المحلية ومصالح الوقاية المدنية، ظل القلق مسيطرا على المتضررين، في ظل خسائر مادية جسيمة وانتظارات كبيرة للدعم والمواكبة.

غير أن هذه التطورات الميدانية رافقها، بحسب متابعين، غياب لافت للتواصل الحكومي على المستوى المركزي، على غرار مناسبات سابقة من قبيل كارثة زلزال الأطلس الكبير، مقتل مواطنين على يد الجيش الجزائري، غلاء الأسعار، احتجاجات جيل “Z” وغيرها، إذ لم يصدر أي موقف علني من رئيس الحكومة، ولا توضيحات من الناطق الرسمي باسمها، ما أثار تساؤلات حول موقع الخطاب السياسي في لحظات الأزمات الإنسانية، ودوره في طمأنة المواطنين وتوضيح الرؤية.

ويعتبر فاعلون حقوقيون وسياسيون أن هذا الصمت لا يمكن فصله عن إشكال أعمق في تدبير الأزمات، مؤكدين أن مواجهة الكوارث الطبيعية لا تقتصر على التدخلات التقنية فقط، بل تشمل أيضا الحضور السياسي والتواصل المسؤول، باعتباره جزءا من الحق في المعلومة وعنصرا أساسيا في الحفاظ على ثقة المواطنين، خاصة في فترات الشدة والاضطراب.

خلل في القيادة

في هذا الصدد أكدت النائبة البرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي فاطمة التامني أن صمت رئيس الحكومة والناطق الرسمي خلال فيضانات القصر الكبير “يعكس خللا واضحا في القيادة السياسية خلال الأزمات”، مشيرة إلى أن اللحظات التي يعيش فيها المواطنات والمواطنون الخوف والخسائر، ينتظر الرأي العام حضورا سياسيا مسؤولا يطمئن المواطنين ويقدم معطيات دقيقة ويعلن إجراءات واضحة.

و أوضحت التامني في تصريح لصحيفة “صوت المغرب” أن هذا الغياب يعزز الانطباع بأن الحكومة تشتغل بمنطق رد الفعل المتأخر بدل اعتماد قيادة استباقية قادرة على تدبير المخاطر الطبيعية التي أصبحت تتكرر بشكل مقلق، مشددة على أن الحكومة باتت مشغولة “بحملاتها الانتخابية قبل الأوان” حول من سيقود الحكومة المقبلة في تجاهل تام للاحتقان الاجتماعي والمجتمعي المتزايد ، “بسبب سوء أدائها وفشلها في الاستجابة لانتظارات المغاربة” حسب تعبيرها .

و أضافت المتحدثة أن الصمت عندما يتحول إلى سلوك متكرر في مواجهة الأزمات، يصبح مؤشرا على ضعف منظومة تدبير الكوارث لافتة إلى أن التواصل المؤسساتي في مثل هذه الظروف جزء من التدبير نفسه، كونه يوجه التدخلات الميدانية ويعزز ثقة المواطنين في المؤسسات .

و شددت المسؤولة البرلمانية على أن مسؤولية الحكومة لا تقتصر على التدخل بعد وقوع الكارثة، بل تبدأ أساسا من التخطيط الاستباقي وحماية المواطنين وممتلكاتهم، مبرزة أن المسؤولية السياسية في هذه المرحلة تبقى قائمة لدى القطاعات الحكومية المعنية، خاصة وزارة الداخلية ووزارة التجهيز والماء وقطاعات التعمير وإعداد التراب.

وبخصوص دور المعارضة، أشارت التامني أنها سبق أن طرحت داخل البرلمان سؤالا حول ضرورة التفعيل الفعلي لصندوق مواجهة آثار الكوارث، غير أن الواقع، بحسب تعبيرها، يكشف استمرار تعقيد الشروط والإجراءات بما يحد من استفادة المتضررين، مسجلة محدودية تفاعل الحكومة مع المبادرات الرقابية للمعارضة.

و خلصت التامني إلى التأكيد على أن المرحلة تفرض الانتقال من منطق التدخل بعد الكوارث إلى منطق الوقاية والاستباق، عبر وضع استراتيجية وطنية مندمجة لتدبير المخاطر الطبيعية، تقوم على التخطيط العلمي، وتقوية بنيات تصريف المياه، ومراقبة التعمير بالمناطق المهددة، وإرساء نظام إنذار مبكر فعال، وتسريع تعويض المتضررين، مع تعزيز التنسيق والحكامة في تدبير الأزمات.

تواصل حكومي مفقود

من جهته، أكد الحقوقي و رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، إدريس السدراوي، أن غياب تواصل مباشر من طرف رئيس الحكومة يطرح إشكالا على مستوى القيادة الرمزية للأزمة، خاصة وأن الدستور يجعل من رئاسة الحكومة فضاء لتنسيق السياسات العمومية وضمان انسجام تدخلاتها في القضايا الكبرى، وعلى رأسها تدبير الأزمات والكوارث الطبيعية.

وأوضح المتحدث، في حديثه لصحيفة “صوت المغرب”، أن الدستور ينص بوضوح على مبدأ التضامن الوطني، الذي يجعل من الدولة، بمختلف مؤسساتها، فاعلا أساسيا في مواكبة المواطنين في لحظات الشدة، معتبرا أن ما وقع يعكس اعتماد الدولة على وسائل تقليدية في التواصل، من قبيل “البراح والمقدمية والشيوخ”، وهي آليات اجتماعية ذات امتداد تاريخي ولا تزال تؤدي دورا في بعض المناطق، غير أنها لا يمكن أن تعوض غياب خطاب سياسي ومؤسساتي واضح حسب تعبيره.

وفي ما يتعلق بحدود مسؤولية الدولة في التواصل مع المواطنين خلال الأزمات، شدد السدراوي على أن هذه المسؤولية شاملة، وتمتد من التدخل الميداني إلى ضمان الحق في المعلومة والتواصل المنتظم، مبرزا أن الدستور ينص على الحق في الحصول على المعلومات، وعلى مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو ما يفرض على المؤسسات العمومية الوضوح في تشخيص الوضع، وشرح أسباب ما وقع، وتقديم معطيات دقيقة حول التدابير المتخذة والآفاق المستقبلية.

وأضاف أن التواصل أثناء الأزمات ليس ترفا سياسيا، بل واجبا دستوريا يهدف إلى حماية الثقة العامة وتقليص منسوب القلق الاجتماعي، محذرا من أن غياب خطاب حكومي موحد يمكن اعتباره خللا في ضمان الحق في المعلومة، ليس بشكل مطلق، ولكن من حيث محدودية المعطيات وتشتتها.

ولفت المتحدث في هذا السياق إلى أن استئثار وزارة الداخلية بتدبير الملف، “في ظل غياب تواصل واضح من القطاعات الوزارية المعنية، خاصة الماء والتجهيز والنقل، يطرح تساؤلات حول منطق الحكامة والتنسيق، كما يعمق الإحساس بعدم الوضوح بشأن تدبير السدود والمنشآت المائية ومدى جاهزيتها”.

وبخصوص الأثر النفسي والاجتماعي لهذا الصمت على الساكنة المتضررة، أكد رئيس الرابطة المغربية لحقوق الإنسان أن المتضررين يعيشون وضعا معقدا يتجاوز الخسائر المادية إلى الإحساس بعدم الأمان وغياب الأفق، مشيرا إلى أن وسائل التواصل التقليدية ساهمت في التخفيف من القلق في بعض المناطق، مثل القصر الكبير، لكنها كانت أقل نجاعة في مناطق أخرى بجهة الغرب.

و خلص إدريس السدراوي إلى التأكيد على أن “استمرار الغموض بشأن المستقبل، وغياب أجوبة واضحة حول مسؤوليات اختلال تدبير المنشآت المائية”، قد يؤدي إلى تآكل الثقة وإلى توترات اجتماعية غير مرغوب فيها، داعيا إلى اعتماد مقاربة تشاركية تقوم على إشراك الحكومة بكامل مكوناتها، وربط المسؤوليات بالمحاسبة، وتفعيل مبدأ التضامن الدستوري كمدخل أساسي لتجاوز الأزمة وحماية الحقوق الأساسية للمواطنين.