story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
مجتمع |

عبد الهادي بلخياط.. حنجرة استثنائية صنعت زمن الفن الجميل

ص ص

هو “هرم الأغنية المغربية” وآخر العمالقة الذين شكلوا الوجدان الفني للمغاربة منذ فجر الاستقلال، صاحب الحنجرة الصداحة التي جمعت بين قوة الأداء الأوبرالي وعذوبة الطرب الأندلسي، وبين شجن المشرق وأصالة المغرب.

عبد الهادي بلخياط، الرجل الذي ملأ الدنيا طربا ليعتزل الصخب طوعا، مفضلًا ركن “المنفرجة” ومناجاة الخالق، تاركًا خلفه إرثًا موسيقيًا عصيًا على النسيان.

وُلد عبد الهادي بلخياط، واسمه الحقيقي عبد الهادي الزوكاري الإدريسي، سنة 1940 في مدينة فاس، العاصمة العلمية للمغرب، وسط بيئة محافظة ومشبعة بالتقاليد العريقة.

في دروب فاس العتيقة، تفتقت موهبته مبكرًا، حيث نهل من ينابيع المديح والسماع الصوفي، وتأثر بكبار المقرئين، مما أكسب صوته تلك الرنة الروحانية التي لم تفارقه حتى في أوج أغانيه العاطفية.

غادر فاس شابا مفعما بالطموح نحو الدار البيضاء في أواخر الخمسينيات، في رحلة كانت بمثابة “الهجرة نحو الحلم”، هناك، كان اللقاء الذي غيّر مجرى حياته وحياة الأغنية المغربية، حين التقى بأسماء ستصنع معه المجد، مثل الملحن الفذ عبد السلام عامر والشاعر أحمد الطيب العلج.

لم يكن طريق بلخياط مفروشا بالورود، فقد اضطر في بداياته للعمل في مهن بسيطة، بحيث كان عليه أن يزاوج بين حضور الصف الدراسي والمداومة في ورشة النجارة لمساعدة الأب وإعالة الأسرة، قبل أن يقتحم قلعة الإذاعة الوطنية، لكن سرعان ما فرض صوته القوي نفسه.

طل صوت الطفل عبد الهادي رقراقا مبشرا بنجم في الأفق من الإذاعة. خرج من جلباب راعي المواهب الراحل عبد النبي الجراري الذي وضعه على الدرج الأول لسلم المجد المغربي، في وقت عانق فيه الجمهور بشوق تجارب جديدة تصوغ وجدانه العام وتناجي هويته الثقافية.

شكلت فترة الستينيات والسبعينيات عصره الذهبي، إذ شكل ثنائيا استثنائيًا مع الملحن الضرير عبد السلام عامر، وأثمر هذا التعاون روائع خالدة، أبرزها قصيدة “القمر الأحمر” التي غناها سنة 1964، والتي اعتبرت حينها “انقلابا” في الموسيقى المغربية، محققة نجاحًا تجاوز الحدود ليصل إلى المشرق العربي.

لم يكتفِ بلخياط بموهبته الفطرية، بل عززها باختيارات فنية دقيقة، متعاملاً مع كبار الزجالين والشعراء مثل أحمد الطيب العلج وعبد الرفيع الجواهري، وتنوع ريبيرتواره الغني بين الأغنية العاطفية الراقية والقصيدة الفصحى والأغنية الوطنية.

توالت الروائع التي نحتت اسم بلخياط في ذاكرة الأجيال: “الشاطئ”، “أمس مسافر”، “يا بنت الناس”، “قطار الحياة”، و”خفة الرجل”، إذ لم يكن مجرد مطرب، بل كان صوت مرحلة بناء الدولة الحديثة، معبرًا عن قضايا المجتمع والعاطفة والوطن بأسلوب راقٍ جمع بين القصيدة الفصحى والزجل المغربي المهذب.

وطيلة مسيرته، ظل بلخياط يشكل، إلى جانب الراحلين المعطي بنقاسم وإبراهيم العلمي ومحمد فويتح ومحمد الحياني ومحمود الإدريسي ونعيمة سميح، ورفيق دربه عبد الوهاب الدكالي، العصر الذهبي للأغنية المغربية، وتميز بصوت قوي وقدرة عجيبة على التلوين المقامي، مما أهله للوقوف على مسرح “الأوليمبيا” بباريس، والحصول على أوسمة ملكية وتكريمات دولية، كان أبرزها وسام الكفاءة الفكرية.

كما ظل بلخياط متفردًا بقدرته العجيبة على التطريب، ووقف ندًا لعمالقة الطرب العربي في مصر ولبنان، بل وكان الفنان العربي الوحيد الذي خصصت له الإذاعة المصرية سهرات خاصة في عز مجدها.

وحظي الراحل عبد الهادي بلخياط بتكريم ملكي رفيع، حيث وشّحه الملك محمد السادس بوسام المكافأة الوطنية من درجة قائد، وذلك سنة 2015، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء، تقديرًا لمسيرته الفنية المتميزة وإسهاماته البارزة في إثراء الأغنية المغربية، كما حصل قبل ذلك بسنوات طويلة على الأسطوانة الذهبية عن رائعته “القمر الأحمر” عام 1973.

مع دخول الألفية الجديدة، وفي ذروة عطائه، بدأ عبد الهادي بلخياط يميل تدريجيًا نحو التصوف والابتهال، وجاءت نقطة التحول الحاسمة بعد حادثة وعكة صحية وتجربة روحية عميقة قادته للانضمام إلى جماعة “الدعوة والتبليغ”.

في عام 2012، فاجأ بلخياط جمهوره بقرار اعتزال الأغنية العاطفية نهائيًا، معلنًا توبته عن “غناء الحب الدنيوي” وتكريس ما تبقى من حياته للمديح النبوي والابتهالات، وكانت قصيدة “المنفرجة” لابن النحوي هي الجسر الذي عبر به من ضفة الطرب إلى ضفة التصوف، حيث أداها بإحساس أبكى الملايين، لتصبح أيقونة مرحلته الجديدة.

وفي سنواته الأخيرة، عانى الراحل من متاعب صحية ألزمته الفراش وأدخلته المستشفى العسكري بالرباط في فترات متقطعة، وشهدت حالته استقراراً تارة وتدهوراً تارة أخرى، وسط متابعة واهتمام كبيرين من الملك محمد السادس ومن جمهوره العريض.

اليوم، يودع المغرب “القمر الأحمر”، الرجل الذي غنى للحب وللوطن وللإنسان، ثم ختم حياته مرتلًا ومسبحاً، يرحل عبد الهادي بلخياط جسداً، لكن صوته الذي صدح بـ”لك ذاك الولاء” وبكى في “المنفرجة”، سيظل ساكناً في الذاكرة الجماعية للمغاربة، شاهداً على زمن الفن الجميل.