ملف “مغاربة سوريا” يعود للواجهة مع ترحيل معتقلي داعش.. هل تقترب الرباط من إجلائهم؟
في وقت ينشغل فيه العالم بإعادة رسم خرائط النفوذ في شمال شرق سوريا، ومع تحرّك الآليات العسكرية التابعة للجيش السوري لتسلُّم زمام الأمور من القوات الكردية، تقبع عشرات الأسر المغربية خلف جدار من الصمت القاتل. هنا، لا تهمّ الخرائط الجديدة بقدر ما يهمّ مصير ابن أو زوج أو طفل انقطعت أخباره في غياهب السجون والمخيمات الموحشة.
يزداد اهتمام العائلات المغربية بمصير أبنائها وبناتها المحتجزين في مخيمات شمال شرق سوريا، عقب انسحاب قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من بعض المناطق، وسيطرة الحكومة السورية على عدد من السجون والمخيمات، من بينها مخيم الهول.
وبعد سنوات من العيش في “منطقة رمادية” خارج سيادة القانون، وتحت إدارة وُجّهت إليها انتقادات حقوقية واسعة، دخل ملف المحتجزين المغاربة في سوريا مرحلة يراها مراقبون حاسمة، في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول مصير مئات المحتجزين المغاربة العالقين هناك، ومعظمهم من النساء والأطفال.
محاكمتهم داخل الوطن
في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، رسم عبد العزيز البقالي، قريب أحد المعتقلين في سوريا وعضو بارز في “التنسيقية الوطنية لعائلات المعتقلين المغاربة في سوريا والعراق”، صورة قاتمة للواقع الذي يعيشه أبناء المغاربة المحتجزون هناك، مؤكداً أن ملفهم دخل مرحلة “الجمود القاتل” منذ أمد بعيد.
ويستهل البقالي شهادته بتوصيف دقيق لحالة الانقطاع التي تعيشها العائلات، قائلاً: “منذ ما يقرب من سنتين ونصف، دخلنا نفقاً من المجهول التام. انقطعت أخبار أبنائنا بشكل كلي، فلا معلومات تصلنا، ولا إشارات تؤكد إن كانوا لا يزالون على قيد الحياة أو وافتهم المنية داخل تلك السجون الخاضعة لحراسة أمنية مشددة”.
ويضيف بمرارة: “في السابق، كانت اللجنة الدولية للصليب الأحمر خيط الأمل الوحيد الذي ينقل لنا ‘سلامات’ عابرة، لكن اليوم انقطع حتى هذا الخيط”، لتجد العائلات نفسها تعيش على وقع التكهنات والقلق اليومي.
هذا الانقطاع المعلوماتي وضع العائلات في حالة من “الاحتراق النفسي”، خاصة مع ورود أنباء غير مؤكدة وصادمة. ويوضح البقالي: “توصلنا مؤخراً بخبر وفاة 17 مغربياً داخل السجون، دون معرفة الأسباب أو الأسماء، وهو أمر صادم ومؤلم للغاية”، مضيفاً أن ذلك دفعهم إلى مراسلة المسؤولين للمطالبة بالتحرك الميداني وطمأنة العائلات بخطوات عملية.
ومع شروع الولايات المتحدة في نقل معتقلي تنظيم “داعش” إلى العراق استعداداً لمحاكمتهم، يبرز المطلب الأساسي للعائلات المغربية بوضوح وحزم: الاستعادة من أجل المحاكمة. إذ تؤكد العائلات، عبر تنسيقيتها، أنها لا تطالب بصك براءة، بل بـ“سيادة القانون المغربي”.
ويشرح البقالي هذا الموقف قائلاً: “مطلبنا الأساسي هو تدخل الدبلوماسية المغربية لترحيل أبنائنا ومحاكمتهم داخل الوطن محاكمة عادلة. نحن لا نثق بوجود ضمانات لمحاكمة عادلة، خصوصاً في العراق”.
ويضيف: “كل ما نلحّ عليه هو تدخل الدبلوماسية المغربية، عبر وزارة الخارجية والسفارات المغربية في دمشق وبغداد، لترحيلهم ومحاكمتهم داخل التراب الوطني وفق القضاء المغربي”.
وبخصوص التطورات الأخيرة المرتبطة بسيطرة الدولة السورية على مخيم الهول، يبدي البقالي قلقاً شديداً، موضحاً: “حتى اللحظة، لا يوجد أي تأكيد رسمي بخصوص أوضاع النساء. لم تصلنا أي مكالمة من داخل المخيم تؤكد انتقالهن إلى عهدة الحكومة السورية أو حدوث تغيير في وضعهن”.
أما في مخيم الروج، فالوضع – بحسب البقالي – مأساوي، إذ يتحدث عن ظروف “كارثية” تشمل انقطاع التيار الكهربائي وإزالة الأسواق، ما جعل الحصول على الغذاء والرعاية الصحية شبه مستحيل، محذراً من أن الحالة الصحية والنفسية للمحتجزين بلغت مستويات “مأساوية”.
وووجه المتحدث نداء استغاثة وطني قائلاً: “أبناؤنا اليوم في حالة صحية ونفسية كارثية، ويواجهون موتاً بطيئاً بسبب نقص الغذاء والرعاية. نحن نؤمن أن الوطن لا يمكن أن يتخلى عن أبنائه في هذه الظروف، ونأمل أن تتحرك الدبلوماسية المغربية بشكل عاجل لإنهاء هذه المعاناة الإنسانية التي طال أمدها”.
ومع تغيّر جهات السيطرة، تجددت آمال العائلات المغربية في أن يسهّل وجود “دولة” في الطرف المقابل، بدل تنظيمات مسلحة، فتح قنوات دبلوماسية رسمية من أجل الترحيل.
هل تتدخل الدولة؟
من جانبه، يضع الخبير الأمني محمد أكضيض هذا الملف تحت مجهر التحليل الاستراتيجي، مشيراً إلى أن الدولة المغربية واعية تماماً بثقله وحساسيته. ويرى أكضيض أن تهمة الإرهاب هي “التهمة الأساسية” التي تحكم المسار القضائي، موضحاً أن “الأجهزة الأمنية المغربية، بتنسيق استخباراتي داخلي وخارجي، تعتمد على أبحاث ميدانية وقواعد بيانات دقيقة لمعالجة هذا الملف الشائك”.
وحول مصير هؤلاء في حال عودتهم، يجزم أكضيض، في حديثه مع “صوت المغرب” بأن “قانون مكافحة الإرهاب المغربي واضح؛ إذ ستتم إعادة محاكمة كل من ثبت تورطه في عمليات إرهابية أو انضم إلى تنظيمات متطرفة أو عمل من أجل تنفيذ مشروع تنظيم ‘داعش’، بما يضمن أمن الوطن من جهة، وتحقيق العدالة من جهة أخرى”.
ويُعد ملف الأطفال المولودين على الأراضي السورية العقدة الأكثر تعقيداً، إذ يرى أكضيض أنه “يتطلب دراسة معمقة تجمع بين الأبعاد الأمنية والقضائية والإنسانية”، مشيراً إلى أن المغرب يعي وضعية النساء اللواتي “تم التغرير بهن أو التحقن بأزواجهن”، ما يستوجب مقاربة شاملة تراعي البعد الإنساني والدبلوماسية الناعمة.
وفي ما يتعلق بالسياق الإقليمي، أوضح أكضيض، الذي شغل سابقاً مهام بقوات حفظ السلام للأمم المتحدة، أن العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وسوريا قائمة حالياً، وإن كانت تسير بوتيرة تدريجية، ما يتيح – بحسب تقديره – إمكانيات لمعالجة الملف عبر قنوات رسمية، بالتوازي مع علاقات إيجابية تجمع المغرب بالعراق.
وأضاف العميد الأمني والأستاذ السابق بالمعهد الملكي للشرطة أن المعتقلين المرتبطين بتنظيم “داعش” يخضعون في الغالب للقانون العراقي في المرحلة الراهنة، ما يجعل خيار التفاوض مع بغداد مطروحاً، خاصة في ظل احتمال ترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية في إطار تفاهمات سياسية ودبلوماسية.
وأشار الخبير إلى أن تفكيك هذا الملف “لا يتم بمنطق جماعي أو آلي”، بل يقتضي دراسة كل حالة على حدة، من خلال تحليل المسار الفردي، ومستوى التورط، وطبيعة الأدوار داخل التنظيمات، معتبراً أن هذه القضايا “تتطلب مقاربة دقيقة ومتعددة الأبعاد، تجمع بين الأمن والقضاء والدبلوماسية”.
وتوجد نحو 100 امرأة مغربية محتجزة مع 259 من أطفالهن، في مخيمات الشمال السوري التي تديرها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مثل مخيمي الروج والهول شرق الحسكة، بينما يبلغ عدد الرجال المغاربة المعتقلين نحو 130 شخصاً، فضلاً عن 25 طفلاً مغربياً يتيماً، وذلك بحسب التنسيقية الوطنية لعائلات المغاربة المحتجزين بسوريا والعراق.
وتشير المستجدات الأخيرة إلى شروع الجيش الأمريكي في نقل معتقلي تنظيم “داعش” من شمال شرق سوريا إلى العراق، حيث سيخضعون لمراكز احتجاز أكثر أماناً، وسط توقعات بنقل آلاف آخرين. وقد أعلن العراق أنه سيعالج هؤلاء وفق قوانينه، في وقت تتواصل فيه الدعوات إلى ضمان محاكمتهم داخل بلدانهم الأصلية.
وتثير هذه التطورات قلق العائلات المغربية، التي ترى أن الثقة في المحاكم العراقية محدودة، وتفضل إجراء المحاكمات داخل المغرب، مع ضمان متابعة أوضاع الأطفال والنساء المحتجزات.
العائلات تراسل بوريطة
وراسلت العائلات وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة، معبّرة عن قلقها البالغ إزاء الأخبار المؤكدة التي راجت خلال الفترة الأخيرة بشأن نقل أعداد كبيرة من المحتجزين من شمال شرق سوريا إلى العراق، دون نشر لوائح رسمية بأسمائهم أو إبلاغ عائلاتهم، وهو ما اعتبرته العائلات وضعًا يقترب من حالات “اختفاء قسري محتمل لمواطنين مغاربة خارج أرض الوطن”.
وأوضحت العائلات، في مراسلتها، أن من بين هؤلاء المحتجزين رجالًا ونساء، إلى جانب أطفال قاصرين وأسر كاملة تقيم في مخيمات الهول والروج وغيرها من المخيمات، مشيرة إلى أن عددًا كبيرًا منهم يعيش في أوضاع إنسانية وصحية بالغة الصعوبة، في ظل انعدام المعلومات واستمرار الغموض حول مصيرهم.
وأكدت العائلات أنها لا تطالب بالإفراج عن أي شخص، ولا تسعى إلى تبرير أي أفعال محتملة، بل يتمثل مطلبها الوحيد في تمكين الدولة المغربية من أداء واجبها الدستوري والإنساني في حماية مواطنيها في الخارج، عبر اتخاذ خطوات عملية وشفافة لمعالجة هذا الملف.
وفي هذا السياق، طالبت العائلات بكشف لوائح المواطنين المغاربة الذين كانوا محتجزين لدى قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، وتحديد أماكن احتجازهم الحالية ووضعهم القانوني بدقة، إلى جانب تمكين عائلاتهم من معرفة مصيرهم والاطمئنان على أوضاعهم الصحية والإنسانية.
كما دعت المراسلة إلى فتح قنوات رسمية مع السلطات العراقية والدول المعنية، من أجل إدراج هؤلاء المحتجزين ضمن مسطرة نقل المحكوم عليهم أو المتابعين قضائيًا إلى المغرب، وفقًا لاتفاق التعاون القضائي المبرم بين المغرب والعراق، بما يضمن إخضاعهم للقضاء المغربي في إطار سيادة القانون. وختمت المراسلة بمناشدة وزير الشؤون الخارجية التدخل العاجل لفتح تحقيق دبلوماسي في هذا الملف، مع إطلاع التنسيقية الوطنية والعائلات المعنية على مستجداته في أقرب الآجال، وضعًا حدًا لمعاناة إنسانية طال أمدها.
تفاصيل نقلهم للعراق
وكانت السلطات العراقية قد أعلنت عن عملية نقل عناصر تنظيم “الدولة” من سوريا إلى العراق، في خطوة وصفت بأنها استباقية لضمان الأمن القومي العراقي.
وأوضح المتحدث باسم الحكومة العراقية، باسم العوادي، أن القرار جاء بسبب سرعة تطورات الأحداث في سوريا والحاجة الملحة لاتخاذ موقف فوري، مؤكداً أن بغداد لا تتفق مع الحملات الإعلامية التي تثير التخويف لكنها تفهم أسباب القلق الدولي والإقليمي.
وفي التفاصيل، من المقرر أن يتم نقل نحو 7 آلاف سجين من عناصر التنظيم من سوريا إلى العراق، في مبادرة عراقية بموافقة الجانب السوري وترحيب أمريكي. ويشكل هذا العدد جزءاً من مجموع المحتجزين، في حين لا تزال عشرات الآلاف من عناصر التنظيم وعائلاتهم في سوريا. وأشارت مصادر دبلوماسية سورية إلى أن هذه الخطوة جزء من جهود التنسيق بين الدول المعنية لإدارة ملف المعتقلين بطريقة منظمة وآمنة.
وبخصوص الجانب القضائي، أوضح مجلس القضاء الأعلى العراقي أن جميع هؤلاء المعتقلين سيخضعون للإجراءات القضائية الأصولية، كما سيتم تسليمهم وإيداعهم في المؤسسات الإصلاحية المختصة.
وأكد المجلس أن جميع المتهمين، من كل الجنسيات، خاضعون حصراً لسلطة القضاء العراقي، وسيتم توثيق الجرائم الإرهابية المرتكبة وأرشفتها بالتنسيق مع المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي لضمان سير العدالة وفق المعايير القانونية الدولية.
ومن جانبها، أوضحت السفارة الأمريكية في بغداد أن وجود سجناء من تنظيم “داعش” غير عراقيين داخل العراق هو أمر مؤقت، مشيرة إلى أنها تتوقع إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية لتقديمهم أمام العدالة، في حين دعا وزير الخارجية الأمريكي الدول إلى “تحمل مسؤولياتها واستعادة مواطنيها المنتمين لتنظيم الدولة لمواجهة العدالة”.
الوضع حالياً بـ”الهول”
وفي تطور ميداني ذي صلة، قالت متحدثة باسم مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين في سوريا، يوم الجمعة 23 يناير، إن الوضع الأمني غير المستقر داخل مخيم الهول، الذي يضم عائلات مقاتلين من تنظيم “داعش”، ما يزال يحول دون دخول فرق المفوضية إليه بشكل منتظم.
وأوضحت المتحدثة، سيلين شميت، أن مفوضية اللاجئين تمكنت من الوصول إلى محيط مخيم الهول خلال الأيام الثلاثة الأخيرة، غير أنها لم تتمكن حتى الآن من دخوله “بسبب الوضع الأمني المتقلب”.
وأضافت أن المفوضية، إلى جانب منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، تمكنتا من إيصال شاحنات محمّلة بالمياه إلى المخيم، على أن تعود فرق المفوضية على أمل استئناف توزيع الخبز، الذي توقف خلال الأيام الثلاثة الماضية.
ويأتي ذلك بعد دخول قوات الأمن السورية، يوم الأربعاء 21 يناير، إلى مخيم الهول الواقع في شمال شرق سوريا، عقب انسحاب قوات سوريا الديمقراطية (قسد) منه، في إطار ترتيبات تم التوصل إليها بين الطرفين خلال عطلة نهاية الأسبوع.
وتزامن هذا التطور مع تراجع “قسد” عن مساحات واسعة من الأراضي، تحت ضغط عسكري من دمشق الساعية إلى بسط سيطرتها على كامل البلاد، حيث انسحبت القوات الكردية إلى مدن وقرى يشكل فيها الأكراد غالبية بمحافظة الحسكة، التي تُعد معقلها الأخير في المنطقة.
ويضم مخيم الهول نحو 24 ألف شخص، من بينهم قرابة 15 ألف سوري، إضافة إلى حوالي 6300 امرأة وطفل أجنبي ينتمون إلى 42 جنسية مختلفة، ترفض معظم بلدانهم استعادتهم.
وأشارت المتحدثة الأممية إلى أن الحكومة السورية أبدت استعدادها لـ“ضمان الأمن ودعم مفوضية اللاجئين وشركائها الإنسانيين من أجل استئناف العمليات الإنسانية داخل المخيم”. كما أوضحت أن مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين تولّت إدارة شؤون المخيم ابتداء من الأول من يناير الجاري.