من “إميليا” إلى “فرانسيس”.. هل المغرب أمام تقلبات مناخية حادة أم مجرد شتاء استثنائي؟
تواصل التقلبات الجوية الحادة إلقاء ظلالها على مدن ومناطق في المغرب في مطلع العام الجاري، ففي الوقت الذي لا تزال فيه الجهود قائمة لتجاوز آثار عاصفة “إميليا” وما خلفته من فاجعة في مدينة آسفي نتيجة السيول الجارفة، تشهد عدة مناطق في المغرب عاصفة “فرانسيس”.
هذا التتابع الزمني المتسارع أثار موجة من القلق لدى الرأي العام والخبراء على حد سواء، وسط تساؤلات ملحة: هل نعيش مجرد دورة مناخية عابرة؟ أم أن المغرب بصدد مواجهة تحول جذري وبنيوي في نظامه المناخي؟
وفي محاولة لتفسير هذه الظواهر، أوضح الخبير في المناخ والبيئة، محمد بنعبو، أن النمط المطرى الحالي يعيد التذكير بالمناخ الذي كان سائدا في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
إلا أن بنعبو حذر من فارق جوهري، وهو أن هذه التساقطات باتت اليوم تتسم بحدة وخطورة أكبر؛ نتيجة تأثرها المباشر بالتغيرات المناخية العالمية، مما يجعلها “أكثر فجائية وتدميرا”.
أمطار وجيزة بآثار كارثية
وأوضح محمد بنعبو، في تصريح لـ “صوت المغرب”، أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في كمية الأمطار فحسب، بل في “عنصر الزمن”؛ حيث تهطل كميات هائلة “في وقت وجيز جدا، مما يتجاوز القدرة الاستيعابية لقنوات الصرف الصحي ويؤدي إلى فيضانات تخلف خسائر مادية وبشرية جسيمة وكذا تضرر في البنية التحتية”.
وأشار الخبير إلى أن هذه الأمطار، رغم قوتها التدميرية أحيانا، ساهمت في إحياء الوديان والأنهار التي عانت من جفاف حاد لسنوات، مستشهدا بـ “عاصفة فرنسيس” التي تضرب مناطق الجنوب المغربي “بعد ثماني سنوات من القحط، في وقت كانت فيه السدود شبه فارغة”.
وشدد بنعبو على أن الظواهر المتطرفة من ثلوج ورياح قوية وسيول هي نتاج مباشر للتغير المناخي، معتبرا أن المغرب يعيش حالياً فترة “الليالي” المعروفة تاريخيا بالأمطار، لكن الفارق هو أن أمطار الماضي كانت “مسترسلة” وتدوم طويلا دون أن تسبب دمارا مفاجئا.
وأضاف الخبير أن المناخ المغربي بات يعاني من “تداخل الفصول”، حيث يمكن ملاحظة ارتفاع درجات الحرارة طيلة السنة، فضلا عن موجات برد وثلوج مفاجئة تليها فترات حرارة مرتفعة، أو تكرار نماذج مناخية متناقضة في وقت واحد.
أزمة المياه وتحديات التعبئة
وفيما يخص الموارد المائية، لفت محمد بنعبو الخبير في المناخ إلى أن مشاريع تحلية مياه البحر كانت طوق النجاة لتدارك أزمة العطش في ظل تراجع مخزون السدود، لاسيما في مناطق الجنوب.
ونبه بنعبو إلى أن الجفاف الطويل أثر بعمق على جودة التربة والفرشة المائية، موضحا أن جزءا كبيرا من الأمطار الحالية يضيع في البحار والمحيطات، مضيفا أنه “ورغم تحسن تعبئة السدود، إلا أنها تبقى محدودة أمام التقلبات المناخية المتسارعة”.
واختتم تصريحه بالتأكيد على أن نمط الجفاف أصبح سائدا في عدة مناطق، ومن الصعب القول إن المغرب قد تخطى هذه المرحلة بشكل نهائي رغم التساقطات الأخيرة.
نشرات حمراء واستنفار
أدت العاصفة الأطلسية “فرانسيس”، إلى حالة عدم الاستقرار الجوي بالمغرب، حيث يُرتقب أن تشهد عدة مناطق من المملكة اضطرابات جوية قوية نهاية الأسبوع الجاري، وفق معطيات المديرية العامة للأرصاد الجوية.
وفي هذا السياق، أفادت المديرية العامة للأرصاد الجوية بأنه من المرتقب تسجيل أمطار قوية أحيانا رعدية وهبات رياح أحيانا قوية وتساقطات ثلجية، من اليوم السبت إلى بعد غد الاثنين، بعدد من مناطق المملكة.
وبخصوص المناطق المعنية، أوضحت المديرية، في نشرة إنذارية من مستوى يقظة “أحمر”، أنه من المتوقع تسجيل أمطار قوية أحيانا رعدية، (من 80 إلى 100 ملم) بعمالات وأقاليم، إنزكان-أيت ملول، وشتوكة-أيت باها، وأكادير-إدا وتنان، وتارودانت والصويرة، من اليوم السبت على الساعة الواحدة زوالا إلى غاية يوم غد الأحد على الساعة السادسة مساء.
وأشارت المديرية، في نشرة إنذارية من مستوى يقظة “برتقالي”، أنه من المرتقب تسجيل نفس الظاهرة، (من 35 إلى 55 ملم) بعمالات وأقاليم آسفي وشيشاوة وسيدي بنور وخنيفرة واليوسفية وتيزنيت والحوز وخريبكة وسطات وأزيلال وبني ملال والجديدة، ومن (من 20 إلى 30 ملم) بعمالات وأقاليم الرباط، وسلا والخميسات والنواصر والمحمدية ومديونة والدار البيضاء والرحامنة وقلعة السراغنة ومراكش وبرشيد ولفقيه بنصالح وتمارة-الصخيرات وبن سليمان والقنيطرة، وذلك من اليوم السبت على الساعة الواحدة زوالا إلى يوم غد الأحد منتصف النهار.
وستهم الظاهرة ذاتها (من 50 إلى 80 ملم) عمالات وأقاليم طنجة-أصلية والمضيق-الفنيدق وتطوان والعرائش وفحص-أنجرة وشفشاون وتاونات والحسيمة، ابتداء من يوم غد الأحد على الساعة الثالثة صباحا إلى غاية منتصف نهار بعد غد الاثنين.
واوضحت المديرية، في نشرة إنذارية من مستوى يقظة “برتقالي”، أنه من المتوقع تسجيل هبات رياح أحيانا قوية (من 70 إلى 85 كلم/س) بكل من صفرو، والحسيمة، وشفشاون وفحص – أنجرة والعرائش وطنجة -أصيلة وتطوان وورزازات والقنيطرة والمضيق- الفنيدق والحاجب وإفران ورحامنة واليوسفية والصويرة والنواصر والرباط وسلا وتمارة-صخيرات وبن سليمان وبرشيد وآسفي وسيدي بنور ومراكش والدار البيضاء وفكيك وشيشاوة والجديدة والمحمدية وقلعة السراغنة وسطات وميدلت وجرادة ومديونة، ابتداء من اليوم السبت على الساعة الواحدة زوالا إلى غاية منتصف نهار يوم غد الأحد.
إلى جانب ذلك، أفادت المديرية في نشرة إنذارية من مستوى يقظة “برتقالي”، بأنه من المتوقع أن تشهد عمالات وأقاليم ميدلت وتنغير وأزيلال وورزازات والحوز وتارودانت وشيشاوة تساقطات ثلجية ابتداء من 2000 متر (من 20 إلى 50 سم)، وذلك ابتداء من اليوم السبت على الساعة الواحدة زوالا إلى غاية بعد غد الاثنين على الساعة الحادية عشرة مساء.
وعلى ضوء هذه التطورات، كانت وزارة الداخلية دعت المواطنات والمواطنين إلى توخي أقصى درجات اليقظة والحذر، واتخاذ جميع التدابير الوقائية والاحتياطات اللازمة، تفاديا لأي مخاطر محتملة قد تنجم عن هذه التقلبات الجوية.
كما شددت على ضرورة عدم المجازفة بعبور المقاطع الطرقية القابلة للغمر، أو الأودية والمنخفضات التي قد تعرف سيولا أو تدفقات فيضانية مفاجئة، مع الالتزام التام بتعليمات وتوجيهات السلطات العمومية وفرق التدخل المختصة.
وأوصت الوزارة بتأجيل السفر والتنقلات غير الضرورية، خاصة بالمناطق المعنية بهذه الاضطرابات الجوية، مؤكدة في المقابل أن السلطات المحلية، وبتنسيق مع مختلف المصالح والقطاعات المعنية، اتخذت جملة من التدابير الاستباقية والوقائية، شملت تنقية وصيانة شبكات الصرف الصحي، وتطهير مجاري المياه والمقاطع الحساسة، ومعالجة النقط السوداء المعرضة لتجمع المياه.
كما أعلنت وزارة الداخلية عن تعبئة الموارد البشرية وتسخير الوسائل اللوجستيكية الضرورية، ووضع مختلف الإمكانيات المتاحة في حالة جاهزية قصوى، بما يضمن التدخل السريع وتقديم الدعم والمساعدة عند الاقتضاء، وحماية سلامة المواطنين وممتلكاتهم.