كأس العرب.. تقاطع المال والسياسة والرياضة
تنظيم النسخة الجديدة لكأس العرب في قطر للمرة الثانية، برعاية الاتحاد الدولي لكرة القدم، بالإضافة إلى قرار تنظيم الدورتين المقبلتين في نفس البلد، يخفي أبعادا أخرى تتقاطع فيها الكثير من المصالح السياسية والمالية بين “الفيفا” والدولة الخليجية.
هذا الإحتضان القطري لمسابقة كروية لم يستقر تنظيمها على حال منذ انطلاقها سنة 1963، يتزامن مع التوجه الجديد لإدارة جياني إنفانتينو إلى إعادة صياغة علاقتها بالمناطق الصاعدة اقتصاديًا وسياسيًا، لا سيما الخليج، الذي تحوّل في العقدين الأخيرين إلى أحد أكثر الفضاءات الجيوسياسية قدرة على الاستثمار الرياضي الضخم وبناء بنى تحتية قد لا تستطيع مناطق أخرى توفيرها بالوتيرة ذاتها. ولأجل ذلك، فإن فهم خلفيات تنظيم كأس العرب في قطر يستوجب قراءة مزدوجة، من جهة لاعتبارات الفيفا التي دفعتها إلى هذا التوجّه، ومن جهة أخرى لدوافع قطر الاستراتيجية التي جعلت البطولة بالنسبة إليها محطة محورية ضمن رؤيتها الرياضية والدبلوماسية.
لقد شكّل قرار الفيفا بإعادة إحياء بطولة كأس العرب خطوة محسوبة تهدف إلى توسيع قاعدة نفوذها في الأسواق غير التقليدية، بعد أن أدركت المؤسسة الكروية، أن العائدات المالية المهمة من كرة القدم لم تعد مرتبطة بالمراكز الكلاسيكية في أوروبا وأميركا الجنوبية، بل أصبحت مرتبطة بانتشار اقتصادي عالمي يدفعها إلى إعادة شبكة نفوذها. وجاءت منطقة الخليج في مقدمة الفضاءات التي تتلاقى فيها المصالح الاقتصادية والسياسية. فالتقارير الصادرة عن الفيفا في السنوات الأخيرة كشفت عن تزايد اعتمادها على مراكز النمو الجديدة، وذلك في سياق تراجع قدرتها على التمويل الذاتي في ظل تزايد المتطلبات التنظيمية للبطولات الكبرى وتداخلها مع شبكات التمويل السياسي والإعلامي.
وتعود جذور هذا التحول إلى أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، في وقت بدأت فيه دول الخليج، وعلى رأسها قطر والإمارات والسعودية، في استثمار أموال ضخمة في كرة القدم العالمية من خلال شراء أندية أوروبية شهيرة أو تأسيس بطولات محلية معززة باللاعبين الأجانب أو إنشاء مؤسسات إعلامية رياضية ذات انتشار عالمي. ومع هذه التحولات، أدركت الفيفا أن الخليج لم يعد مجرد ممول ثانوي لكرة القدم الدولية، بل أصبح شريكًا بنيويًا قادرًا على توفير بيئات تنظيمية متقدمة، وأطر استثمارية طويلة المدى، وشبكات إعلامية متكاملة، إلى جانب الاستقرار السياسي الذي يسمح بإقامة أحداث رياضية كبرى من دون مخاطر.
وإذا كان توجه الفيفا نحو الخليج جزءًا من استراتيجية اقتصادية، فهو كذلك جزء من محاولة إعادة قليل من المصداقية للمؤسسة الكروية العالمية بعد سلسلة من الفضائح التي عصفت بصورتها منذ 2015. فقد وجد إنفانتينو في التعاون مع قطر، الدولة استضافت مونديال 2022 بنجاح مبهر، واستثمرت مبالغ ضخمة في البنية التحتية والنقل والملاعب والتقنيات، فرصة لإعادة إنتاج صورته كمؤسسة قادرة على إنجاز مشاريع ناجحة وذات أثر عالمي. ولذلك تمثل بطولة كأس العرب، بالنسبة للفيفا، اختبارا لبنية الشراكات الجديدة التي كانت الفيفا تبنيها مع دول الخليج عبر القنوات الاقتصادية والإعلامية.
أما قطر، فهي تتعامل مع البطولة بوصفها امتدادًا لمشروعها الرياضي والدبلوماسي منذ صدور رؤيتها الوطنية 2030. فالدولة الخليجية المثيرة للجدل، لا تبحث فقط عن حدث رياضي إضافي في سلسلة استضافاتها للمناسبات الرياضية الكبيرة، بل عن فرصة لإعادة صياغة صورتها الإقليمية والدولية، وإظهار قدرتها على الجمع بين الحداثة والتقاليد، والتأكيد على أن الاستثمار في الرياضة ليس مجرد ترف اقتصادي، بل استراتيجية شاملة تتقاطع فيها القوة الناعمة مع الدبلوماسي والاقتصادي، وتحاول بها الإستمرار في صناعة صورتها كدولة “قيادية” في المنطقة العربية، ترسخ نموذجا لا تتعارض فيه الحداثة والتقدم مع غياب الآليات الديموقراطية في الحكم، وبَعث رسائل مفادها أن الهوية العربية ليست متناقضة مع الانفتاح العالمي،
وقد تداخل بعد آخر في الدوافع القطرية لتنظيم كأس العرب، يتمثل في الدبلوماسية الرياضية. فمنذ بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، اعتمدت قطر استراتيجية تقوم على توظيف الرياضة كوسيلة لتعزيز حضورها الدولي. وتُظهر دراسات عديدة أن الدبلوماسية الرياضية أصبحت بالنسبة للدول الصغيرة وسيلة لبناء النفوذ من دون الدخول في صراعات سياسية مباشرة. وبالنسبة لقطر، فإن بطولة كأس العرب هي مناسبة ل”إعادة التصالح” مع الرأي العام العربي الذي لم يعد يحمل كثيرا من الود في مواقفه تجاه الأسرة الحاكمة في الدوحة.
كما لا يمكن تجاهل البعد الاقتصادي للحدث. فالبطولة تشكل فرصة لإعادة الرواج للقطاع السياحي والفندقي الذي شهدته قطر قبل وأثناء مونديال 2022، سعيا إلى تقليل اعتماد البلد على الطاقة كمصدر وحيد للدخل، فالسياحة الرياضية مثلت جزءًا مهما من هذا التوجه القطري نحو استضافة المناسبات الكروية الكبرى. ومن هنا، كان تنظيم كأس العرب تفعيلًا عمليًا لسياسات التنويع الاقتصادي، وتهيئة للبيئة الاستثمارية لجذب المزيد من الأنشطة الرياضية الجماهيرية قاريا وعالميا، وأيضا تشكيل البديل الجاهز لأي دولة عجزت عن الوفاء بالتزامها بتنظيم أي مسابقة رياضية كبيرة.