عصر الإمبراطورية العارية: حين أعلنت كاراكاس نهاية الردع التقليدي وبداية البقاء النووي
الزلزال الجيوسياسي ونهاية وهم السيادة
لم تعد أحداث 3 يناير 2026 في كاراكاس مجرد “سيناريو افتراضي” في أروقة مراكز التفكير، بل تحوّلت إلى صدمة استراتيجية مكتملة الأركان مع تنفيذ عملية «العزم المطلق». فباقتياد واشنطن للرئيس الفنزويلي “نيكولاس مادورو” للمحاكمة خارج حدود بلاده، أصيب جوهر “اليقين الاستراتيجي” العالمي في مقتل. فشلل بنية تحتية لدولة ذات سيادة واختراق حصونها المحمية بدفاعات حليف نووي خلال 150 دقيقة فقط، قدم برهانا عمليا على أن “النموذج الفنزويلي” هو نعي رسمي لمفهوم الحماية التقليدية على غرار ما حدث سابقا مع اعتقال “مانويل نورييغا” في بنما سنة 1989، حين تحوّلت السيادة إلى تفصيل ثانوي أمام ميزان القوة. فما جرى في كاراكاس ليس استثناء، بل تجسيدا حيا لما سماه “بول براكن” منذ مطلع الألفية «العصر النووي الثاني» حيث لم يعد السلاح النووي أداة للتفوق العسكري، بل “وثيقة تأمين وجودي”. وبذلك لم يعد العالم محكوما بمنطق الردع الثنائي المنضبط، بل دخل مرحلة نووية فوضوية تتآكل فيها القواعد وتتصاعد فيها قيمة الردع الذاتي كشرط للبقاء، لا كخيار استراتيجي.
1. من كاراكاس إلى غرينلاند.. بروفا “الحديقة الخلفية” وإحياء مبدأ مونرو
لم يكن اعتقال “نيكولاس مادورو” غاية في حد ذاته، بل لحظة نشوة استراتيجية دشنت انتقال واشنطن من سياسة الاحتواء إلى سياسة الاستباحة العلنية. فقد تعامل دونالد ترامب مع نجاح العملية كبرهان حي على قدرة الولايات المتحدة على إعادة صياغة النصف الغربي للكرة الأرضية بوصفه “حديقة خلفية” خالصة، في إحياء فج لمبدأ «مونرو» بصيغته الأكثر خشونة. ولم يتردد ترامب، منتشيا بـ”الإنجاز”، في التلويح بتكرار السيناريو في كوبا وكولومبيا والمكسيك، بل ذهب أبعد من ذلك حين أعاد إلى الواجهة تصريحاته السابقة حول “ضرورة” إعادة ضم بنما، بل وحتى كندا، في خطاب يعكس استخفافا غير مسبوق بفكرة السيادة ذاتها. هنا، لا تعود السيادة حقا قانونيا، بل امتيازا مشروطا بالامتثال للإرادة الأمريكية، في تجسيد عملي لما وصفه “ستيفن كراسنر” بـ «النفاق المنظم للسيادة»؛ حيث تُرفع الشعارات القانونية حين تخدم القوة، وتُدهس بلا تردد حين تعيقها.
ولم تتوقف موجة التنمّر الاستراتيجي عند حدود أمريكا اللاتينية، بل امتدت شمالا إلى القطب الشمالي، حيث سخر ترامب علنا من «عجز» الدنمارك عن حماية غرينلاند، معتبرا أن السيطرة الأمريكية عليها ضرورة استباقية لمنع أي نفوذ روسي محتمل. ولم يعد الأمر مجرد تصريحات استعراضية؛ إذ بدأت خطوات عملية لتكثيف الوجود العسكري والاستخباراتي الأمريكي في الجزيرة، بما يوحي بأن مشروع الضم بات مسألة وقت لا أكثر. هذه الرسالة لم تكن موجهة لروسيا وحدها، بل لأوروبا بأكملها، مفادها أن حلف الناتو لم يعد مظلة مضمونة، وأن على الأوروبيين الاستعداد لخوض صراعهم مع موسكو وحدهم إذا تعارضت أولوياتهم مع الحسابات الأمريكية. وفي قلب هذا الزلزال، بدت الصين الخاسر الأكبر، إذ تبخرت استثماراتها الضخمة في فنزويلا كما تبخرت من قبل في ليبيا بعد 2011، في درس قاس مفاده أن المال والنفوذ الاقتصادي لا يصمدان في عالم «القوة العارية» إذا غاب الردع الصلب. وهكذا، لم يكن نجاح كاراكاس مجرد عملية خاطفة، بل إعلان مرحلة تُكافئ فيها القوة الوقحة وتُعاقب فيها الثقة بالقانون الدولي، في عالم يتجه بخطى ثابتة نحو “شرعنة” الإزاحة القسرية كأداة طبيعية للسياسة العالمية.
2. استراتيجية “الشلل الوظيفي”.. حين تهزم التكنولوجيا قدسية الجغرافيا
أعلنت عملية «العزم المطلق» الوفاة النهائية لمفاهيم «العمق الجغرافي» والتحصينات الكلاسيكية. فقد برهنت التجربة، كما كشفت هجمات Stuxnet على المنشآت النووية الإيرانية، وانقطاعات الكهرباء المنهجية في أوكرانيا بين 2015- 2016، أن الاندماج بين الشلل السيبراني والضربات الحركية الدقيقة المدعومة بالذكاء الاصطناعي قادر على تعطيل أعقد المنظومات الدفاعية دون الحاجة إلى غزو شامل. فلم تعد الحرب تبدأ بزحف الدبابات، بل بـ«اغتيال الحياة اليومية» عبر قطع الكهرباء والمياه والاتصالات، بما يؤدي إلى سقوط الدولة «إكلينيكيا» قبل هزيمتها عسكريا، تماما كما حذّر “مارتن فان كريفيلد” حين أكد أن «الدولة تفقد شرعيتها عندما تعجز عن توفير وظائفها الأساسية».
يعيد هذا المأزق الوجودي الاعتبار لأطروحة “برنارد برودي” القائلة بأن وظيفة القوة هي «منع الحروب»، غير أن كاراكاس كشفت حقيقة أكثر قسوة فـ«القوة التقليدية لم تعد قادرة حتى على المنع». ومن هنا يبرز التناقض التاريخي الصارخ؛ فالسلاح النووي، المصمم أصلا كأداة للدمار الشامل، أصبح اليوم «صمام الأمان» الوحيد لاستمرار الحياة الطبيعية للدول. هذه المفارقة هي ما عبّر عنه “ديمتري ميدفيديف” بصراحة مطلقة حين أعلن أن «الضمانة الوحيدة لحماية أي دولة بشكل موثوق هي امتلاك الترسانة النووية»، في اعتراف صريح بأن كل ما دون الردع النووي بات عاجزا عن حماية السيادة من الشلل الوظيفي والاختراق القسري. ففي غياب هذا الردع، تتحول البنية التحتية إلى «خاصرة رخوة» للابتزاز التقني، بينما يفرض امتلاك النووي «قواعد اشتباك» قسرية تجبر الخصم على أقصى درجات الحذر خشية رد فعل غير متناسب. وهكذا، لم يعد النووي سلاح حرب بقدر ما أصبح درعا تقنيا وجوديا يحمي حق الدولة في البقاء الوظيفي داخل نظام دولي لا يعترف إلا بمن يملك القدرة على “الإيذاء الشامل”.
3. دروس الحصانة والندم.. الفارق بين “زر النهاية” والوعود الورقية
يقف العالم اليوم أمام نموذجين متناقضين يرسمان حدود البقاء السيادي في النظام الدولي الجديد. نموذج “الحصانة الكورية الشمالية” ونموذج “الندم الأوكراني”، وبينهما تقبع أمثلة أكثر فداحة لدول سقطت لأنها كانت بلا “زرّ نهاية”، كالعراق وليبيا. فبيونغ يانغ، رغم المجاعة والعقوبات والعزلة الخانقة، تظل دولة «غير قابلة للكسر»، ليس لقوة اقتصادها أو حداثة جيشها، بل لامتلاكها الردع النووي الذي يفرض على واشنطن أقصى درجات ضبط النفس، ويجعل أي تفكير في “نموذج كاراكاس” مخاطرة وجودية. في المقابل، تعيش أوكرانيا مأساة تاريخية بعد التخلي عن ثالث أكبر ترسانة نووية سنة 1994 مقابل “مذكرة بودابست” التي تلاشت عند أول اختبار للقوة. في حين دفعت دول تخلت عن هذا الردع – أو لم تمتلكه أصلا – ثمنا استراتيجيا فادحا، حيث أُطيح بأنظمتها أو فُككت دولها تحت شعارات القانون الدولي وحقوق الإنسان، بينما كان السبب الحقيقي هو غياب القدرة على إلحاق «أذى غير مقبول» بالمعتدي.
هذا الدرس لا يُقرأ اليوم في كييف أو بغداد فقط، بل يُستوعب بقلق بالغ في طهران، حيث يُنظر إلى “النموذج الفنزويلي” كتحذير مباشر من أن أي دولة غير نووية، مهما بلغت قوتها الإقليمية، تظل عرضة للاختراق والشلل والاحتواء القسري. أما تايوان، فرغم كونها هدفا دائما في الصراع الصيني–الأمريكي، فإن وضعها يظل فريدا؛ إذ إن بكين لا تسعى إلى تدميرها أو إخضاعها بصدمة عسكرية خاطفة، بل إلى ضمّها بأقل كلفة ممكنة، حفاظا على كنوزها الجيو–استراتيجية، وفي مقدمتها مصانع الرقائق الدقيقة التي تمثل شريانا حيويا للاقتصاد العالمي، فضلا عن اعتبار الصين تايوان جزءا لا يتجزأ من أراضيها، لا كيانا أجنبيا يجب إسقاطه. بهذا المعنى، فإن تايوان محمية مؤقتا لا بقوة الردع، بل بقيمة ما تمثله، وهي حماية ظرفية لا ترقى إلى «الحصانة النووية» التي تملكها كوريا الشمالية. هذا الواقع الميداني منح قُبلة الحياة لأطروحة “كينيث والتز” الذي جادل بأن «انتشار السلاح النووي قد يكون أقل خطورة من احتكاره في نظام دولي فوضوي».
إن التحول الأكثر خطورة في «العصر النووي الثاني» هو تآكل الثقة داخل المعسكر الغربي نفسه. فالحلفاء التقليديون لواشنطن، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، بدأوا يتساءلون بقلق عن جدوى “الردع المستعار” إذا ما اختلفت المصالح مع واشنطن. هذا “الفراغ الاستراتيجي” الذي تنبأ به كيسنجر يدفع الدول للبحث عن أمنها خارج إطار المعاهدات الدولية؛ حيث باتت معاهدة منع الانتشار النووي (NPT) تُرى كـ “أداة تخدير” تبقي الدول المتوسطة في هشاشة دائمة، بينما تطوّر القوى الكبرى ترساناتها دون قيود فعلية. لقد اكتشف العالم أن الصفقة كانت “خديعة كبرى” كما أقرّ بذلك ضمنيا “محمد البرادعي” حين تحدث عن «نظام انتشار غير عادل وغير أخلاقي».
توازن الرعب كقانون وحيد
في عالم أُفرغت فيه المعاهدات من مضمونها، لم يعد توازن الرعب خيارا أخلاقيا، بل آلية بقاء، ولم يعد النووي سلاحا للحرب، بل آخر ما تبقى من اللغة التي تفهمها الإمبراطوريات. فالاندفاع الجماعي نحو امتلاك “السلاح المطلق” ليس رغبة في الحرب، بل هو هروب من «البلطجة الجيوسياسية» التي باتت تمارسها القوى العظمى دون رادع. السؤال الحقيقي الذي يواجه البشرية اليوم لم يعد “هل نريد عالما نوويا؟”، بل: كيف يمكننا منع هذا العالم المدجج بغرائز البقاء من الانفجار، بعد أن سقطت كل أزرار الأمان الأخرى ولم يتبق سوى “توازن الرعب” كقانون وحيد للغابة الدولية؟ إن التاريخ سيسجل أن «العزم المطلق» في كاراكاس كانت الشرارة التي أطفأت أنوار القانون الدولي، لتشعل بدلا منها فتيل سباق نووي عالمي لا رجعة فيه.