story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
مجتمع |

سقوط متكرر للبنايات… مهندس يحذر: الفراغ القانوني وغياب التنظيم يهددان سلامة المواطنين

ص ص

يشهد المغرب خلال الأسابيع الأخيرة سلسلة من حوادث انهيار المساكن والبنايات السكنية في عدد من المدن، ما يثير قلقًا متزايدًا بشأن سلامة العمران وأمن السكان.

ففي مدينة الرباط، شهد حي العكاري، يوم الإثنين الماضي، انهيار منزل سكني أسفر عن وفاة شخصين وإصابة آخرين، في حادث مأساوي أعاد تسليط الضوء على هشاشة عدد من المباني، خاصة في الأحياء القديمة.

وفي مدينة بني ملال، أدى انهيار منزل نتيجة التساقطات المطرية الأخيرة، يوم الأربعاء، إلى مصرع رجل مسن، ما عزز المخاوف من تأثير العوامل المناخية على المباني غير المستقرة بنيويًا.

وقبل ذلك بأسابيع، شهدت مدينة فاس، خلال شهر دجنبر الماضي، انهيار بنايتين سكنيتين متجاورتين مكوَّنتين من أربعة طوابق، ما أسفر عن مقتل أكثر من 22 شخصًا وإصابة آخرين، في واحدة من أسوأ الكوارث العمرانية التي شهدتها المدينة في السنوات الأخيرة.

كما تواصلت حوادث سقوط البنايات، وكان آخرها انهيار منزل بحي سهب الورد بمدينة فاس، بعد أن جرى إخلاؤه مسبقًا من السكان، دون تسجيل خسائر بشرية، بفضل التدخل الوقائي للسلطات المحلية.

وتأتي هذه الوقائع الدامية في ظل تحذيرات متواصلة من خبراء ومهنيين بشأن “غياب المراقبة الصارمة على جودة البناء، وعدم الالتزام بالمعايير التقنية المعتمدة، وغياب تحيين قواعد المعطيات الخاصة بالمنازل الآيلة للسقوط”، في وقت سبق لوزارة إعداد التراب الوطني والإسكان أن أقرت بوجود عشرات الآلاف من الأسر التي تقيم في مساكن مصنفة ضمن الوضعيات الخطرة.

ويُرجِع مهنيون وخبراء في قطاع البناء تكرار حوادث انهيار المساكن إلى “اختلالات بنيوية وتشريعية”، في مقدمتها غياب تنظيم واضح لمهنة المهندس، وضعف المراقبة التقنية أثناء مختلف مراحل البناء.

وفي هذا الصدد، يؤكد عبد الرحيم هندوف، رئيس الاتحاد الوطني للمهندسين المغاربة، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، على أن “إشكالية سقوط البنايات في المغرب ترتبط أساسًا بغياب إطار قانوني مضبوط ينظم مهنة المهندس ويحدد مسؤولياته بدقة”.

ويشدد هندوف على أن القانون الحالي لا يفرض على المهندس واجب التبليغ عن الغش أو الاختلالات الخطيرة، رغم أن “أي مهندس يلاحظ خروقات تقنية ولا يُبلِّغ عنها يجب أن يُساءل ويُعاقب قانونيًا”.

ويوضح المهندس أن الخلل يبدأ منذ مرحلة الترخيص، إذ تُمنح رخص البناء، في أغلب الحالات، دون اشتراط دراسة تقنية ميدانية يُنجزها مهندس مختص في الخرسانة والهياكل، معتبرا أن “الرخص تُسلَّم دون إلزام صاحب المشروع بإشراك المهندس المدني، سواء قبل البناء أو أثناءه أو بعده”، وهو ما يفتح الباب أمام إنجاز بنايات تفتقر إلى شروط السلامة.

ويضيف أن هذا الواقع يفسر انتشار بنايات شُيِّدت بشكل عشوائي، أو تم الرفع من عدد طوابقها دون احترام المعايير التقنية، خصوصًا في البناء غير المرخص، بل وحتى في بعض المشاريع المرخصة التي تغيب عنها المراقبة الهندسية الفعلية.

وبخصوص البنايات القائمة، يشير رئيس الاتحاد الوطني للمهندسين المغاربة إلى أن العديد منها تظهر عليها شقوق خطيرة تجعلها آيلة للسقوط، غير أن مسطرة التعامل معها تظل معقدة، إذ يصطدم المالكون برفض السلطات منح شهادات تثبت خطورة البناية، بدعوى تفادي تبعات اجتماعية محتملة. ويشير إلى أن هذا الامتناع يستمر حتى على مستوى أقسام التعمير بالجماعات الترابية، ما “يعرّض المواطنين لخطر حقيقي”.

كما يحذر هندوف من وجود “فراغ قانوني واضح” في ما يتعلق بتحديد الجهة المخولة باتخاذ قرار إخلاء المساكن المهددة بالانهيار، سواء تعلق الأمر بالسلطة المحلية أو الجماعة الترابية أو وزارة إعداد التراب الوطني والإسكان، وهو فراغ يزيد من تردد المتدخلين في اتخاذ قرارات وقائية حاسمة.

ويلفت إلى أن التساقطات المطرية الغزيرة غالبًا ما تعجّل بانهيار بنايات كانت تعاني أصلًا من عيوب بنيوية، ما يفسر تزامن عدد من هذه الحوادث مع فترات سوء الأحوال الجوية.

وفي هذا الإطار، يشدد المتحدث على أن التدخل التقني المطلوب ليس تدخل المعماري فقط، بل تدخل مهندس الخرسانة والهياكل، باعتباره المسؤول عن السلامة البنيوية، داعيًا إلى جعل هذا التدخل إلزاميًا قبل البناء وأثناءه وبعده، كشرط أساسي لتسليم رخص البناء.

كما يطرح هندوف إشكالًا اجتماعيًا موازيا، يتعلق بمصير السكان الذين يتم إخلاؤهم من المنازل الآيلة للسقوط، متسائلًا عن بدائل الإيواء، وهو ما يجعل السلطات، حسب قوله، تتردد في اتخاذ قرارات الإفراغ.

ويخلص رئيس الاتحاد الوطني للمهندسين المغاربة إلى التأكيد على ضرورة إقرار المشرع لإطار قانوني جديد ينظم مهنة المهندس، ويحدد بوضوح من هو المهندس المؤهل، ويضبط مسؤوليات مختلف المتدخلين، إلى جانب إدراج ضحايا البنايات الآيلة للسقوط ضمن القوانين المنظمة للتعويض عن الكوارث، بهدف تشجيع التبليغ المبكر وتفادي وقوع مآسٍ إنسانية.

على المستوى الرسمي، تعوّل السلطات العمومية، ولا سيما وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، على البرنامج الوطني الخاص بـالمباني الآيلة للسقوط باعتباره الإطار العملي لتفعيل مقتضيات القانون رقم 12-94 ومرسومه التطبيقي، بهدف حصر انتشار هذه الظاهرة وضبط آليات التدخل لمعالجتها.

وفي هذا السياق، شرعت الوكالة الوطنية للتجديد الحضري وتأهيل المباني الآيلة للسقوط في تنزيل برنامج عمل جديد، تمّت المصادقة على توجهاته خلال الدورة الثانية لمجلس إدارتها المنعقدة في فبراير 2022.

ويقوم هذا البرنامج، بحسب المعطيات الرسمية، على القطع مع المقاربات التقليدية في المعالجة، واعتماد نموذج تدخل يوصف بكونه مبتكرًا، تشاركيًا، واستباقيًا ووقائيًا، انسجامًا مع مبادئ الجهوية المتقدمة.

أما على المستوى العملياتي، فيرتكز التدخل العمومي، وفق الموقع الرسمي لقطاع الإسكان وسياسة المدينة، على شقين رئيسيين. يتعلق الأول بـتدخلات مباشرة تشمل تدعيم وتقوية هياكل البنايات المهددة بالانهيار، وإعادة إسكان أو إيواء الأسر المتضررة من هدم مساكنها، إلى جانب تقديم إعانات مالية مباشرة للأسر المعنية. فيما يهم الشق الثاني تدخلات غير مباشرة، من قبيل إعادة تأهيل شبكات التطهير السائل، وتبليط الأزقة، وتحسين الواجهات، إضافة إلى إنجاز مشاريع وقائية مرتبطة بمخاطر الفيضانات وانجراف التربة.

وتبقى المدن العتيقة من أكثر المجالات الحضرية تضررًا من هذه الظاهرة، وهو ما دفع الفاعل العمومي إلى إدراج محور خاص بـالتجديد الحضري ضمن برامجه، يهدف أساسًا إلى تحسين النسيج العمراني لهذه المدن، والمحافظة على طابعها المعماري، مع العمل على إعادة تثمين مجالاتها الحضرية دون الإخلال بخصوصياتها التاريخية.

وفي سياق المساءلة البرلمانية، كانت وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، فاطمة الزهراء المنصوري، قد أكدت، خلال شهر يناير 2023، أن سنة 2022 شهدت تفعيل عمل الوكالة الوطنية للتجديد الحضري وتأهيل المباني الآيلة للسقوط، مع وضع تصور يمتد للفترة ما بين 2022 و2026، يهدف إلى تشخيص وتصنيف المباني المهددة بالانهيار على مستوى كل جهة. وأوضحت أن تنزيل هذا البرنامج انطلق فعليًا بعدد من المدن، من بينها الدار البيضاء، والرباط–سلا، والصويرة، وتطوان، ومراكش، وفاس.