story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
سياسة |

بعد عقود من التدريس.. أساتذة متقاعدون ومزاولون يتمسكون بمطلب الترقية إلى خارج السلم

ص ص

“قضيت سنوات من عمري مدرساً في أعالي الجبال حيث لا وسيلة نقل، ولا ظروف عيش كريمة”، بهذه الكلمات يستعيد بدر الدين الهلالي، الذي يطالب بالترقية إلى خارج السلم، بدايات مساره المهني سنة 1993، قبل أن يختصر “حيفاً طال أمده في حقه وحق زملائه” بالقول: “هذا الإقصاء يمثل حيفاً وحكرة شديدة، رغم أننا اشتغلنا بتفانٍ وروح إنسانية عالية”.

وبعد أكثر من ثلاثة عقود على التحاقه بمهنة التعليم، أحيل الهلالي على التقاعد، لكنه ما يزال يتمسك بتسوية وضعيته الإدارية والمالية، ضمن فئة من الأساتذة المتقاعدين والمزاولين الذين يحتجون على عدم استفادتهم من الترقية إلى الدرجة الممتازة بأثر رجعي مالي وإداري.

التقينا الهلالي، عضو التنسيقية الوطنية لموظفي وزارة التربية الوطنية المقصيين من خارج السلم، خلال وقفة احتجاجية نظمتها التنسيقية، يوم الخميس 22 أكتوبر 2026، أمام وزارة التربية الوطنية في الرباط، للمطالبة بتفعيل اتفاق 26 أبريل 2011، وإنصاف الفئات التي ظلت، بحسب المحتجين، “محرومة من هذا الحق رغم مرور سنوات على توقيع الاتفاق”.

اتفاق معلّق منذ 2011

قال الهلالي، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، إن الوقفة تأتي امتداداً لنضالات التنسيقية التي تأسست سنة 2018 للمطالبة بتفعيل اتفاق 26 أبريل 2011، الموقع بين الحكومة والنقابات، معتبراً أنه “يشكل مرجعاً لمطلب الترقية إلى خارج السلم بالنسبة إلى أساتذة التعليم الابتدائي والثانوي الإعدادي الذين يتوقف مسارهم المهني عند السلم 11”.

وأوضح أن الاتفاق “ينص على ترقية الموظفين الذين لا تسمح لهم شروط الترقية إلا بالترقي مرتين إلى سلم جديد”، مشيراً إلى أن أساتذة من الفئات المعنية ظلوا في السلم 11 لمدة تصل إلى 20 سنة دون ترقية.

وأضاف أن حق الترقية الذي “ناضل رجال التعليم من أجل انتزاعه ظل مجمداً”، بحسب تعبيره، من سنة 2011 إلى غاية سنة 2023، في الوقت الذي استفادت فيه قطاعات أخرى، من بينها الصحة والعدل، من الترقية بأثر إداري ومادي منذ سنة 2016.

وتساءل الهلالي عن أسباب استمرار حرمان فئات تعليمية من هذا الحق، رغم ما يعتبره دوراً لرجال التعليم في النضال من أجل إقراره، قائلاً إن “الأساتذة الذين قضوا سنوات طويلة في المهنة ما يزالون يطالبون بتسوية وضعيتهم، بينما استفاد موظفون في قطاعات أخرى من الترقية”.

ويتضمن محضر اتفاق 26 أبريل 2011 مقتضيات بشأن منظومة الترقية، من بينها مراجعة الأنظمة الأساسية للهيئات ذات المسارات المهنية المحدودة التي لا تسمح بالترقي إلا مرة واحدة أو مرتين، من خلال إحداث درجة جديدة، بهدف تحقيق الانسجام بين الأنظمة الأساسية وإنصاف الموظفين وتمكينهم من مسار مهني محفز. ويستند المحتجون إلى هذا المقتضى للمطالبة بتسوية وضعيتهم.

من جانبه، قال رشيد البوكوري، عضو النقابة الوطنية للتعليم المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، إن اتفاق 26 أبريل 2011 نص على منح الدرجة الممتازة لجميع الموظفين، معتبراً أن “قطاع التربية الوطنية ظل محروماً من الاستفادة منه، بخلاف قطاعات حكومية أخرى”.

وأشار البوكوري إلى مرسومين صدرا في ماي ويونيو 2011،” أقرا هذا الحق وأكّداه، مع تحديد فاتح يناير 2012 تاريخاً مرجعياً”. واتهم الحكومات والوزارات المتعاقبة بالتنصل من الالتزامات المرتبطة بالاتفاق، معتبراً أن “النظام الأساسي الجديد لم ينهِ إقصاء جميع الفئات المعنية”.

وطالب المتحدث الحكومة ووزارة التربية الوطنية بتحمل مسؤوليتهما، من خلال ترقية المقصيين إلى الدرجة الممتازة بأثر رجعي مالي وإداري، على أساس اتفاق 26 أبريل 2011، وفق ما تدعو إليه التنسيقية.

ماذا أقر النظام الأساسي؟

ويشكل النظام الأساسي الخاص بموظفي وزارة التربية الوطنية أحد المحطات التي يستند إليها النقاش بشأن وضعية المقصيين من خارج السلم. فبموجب المرسوم رقم 2.24.140 الصادر في 23 فبراير 2024 بشأن النظام الأساسي الخاص بموظفي الوزارة المكلفة بالتربية الوطنية، نصت المادة 86 على إحداث الدرجة الممتازة، ابتداء من فاتح يناير 2023، ضمن أطر أساتذة التعليم الابتدائي والتعليم الثانوي الإعدادي وأطر الدعم التربوي والإداري.

غير أن المادة نفسها نصت على استثناء يتعلق بالترقية خلال سنة 2023، إذ حصرتها في الموظفين المعنيين الذين أحيلوا على التقاعد لبلوغ حد السن القانونية بين فاتح يناير و31 غشت 2023، شريطة استيفاء الشروط النظامية المطلوبة، دون التقيد بحصيص الترقي.

ونصت المادة 87 من المرسوم ذاته على سريان مقتضيات الترقية بالاختيار من الدرجة الأولى إلى الدرجة الممتازة، ابتداء من فاتح يناير 2024، بالنسبة إلى فئات محددة، من بينها أساتذة التعليم الابتدائي والتعليم الثانوي الإعدادي، كما أقرت أقدمية اعتبارية مدتها ثلاث سنوات، دون مفعول مادي، للترقيات المحددة برسم سنوات 2024 إلى 2028.

ويطالب المحتجون بتسوية ما يعتبرونه “اختلالاً في الاستفادة من هذه المقتضيات”، خصوصاً بالنسبة إلى الأساتذة الذين أحيلوا على التقاعد قبل سنة 2023، وإلى المزاولين الذين استوفوا شروط الترقية دون أن يحصلوا على كامل حقوقهم المالية والإدارية بأثر رجعي.

وفي هذا السياق، اعتبر بدر الدين الهلالي أن ما أُقر خلال سنة 2023 “لم يستجب لمطلبهم كاملاً”، موضحاً أن الترقية” أُقرت بأثر مادي لمدة سنة واحدة فقط، بينما بقي الأثر الإداري محل خلاف”.

وضرب مثالاً بأستاذ قال إنه يستحق مستحقات قد تصل إلى 40 مليون سنتيم، لكنه يستفيد من أجرة سنة واحدة قبل إحالته على التقاعد، وهو ما يؤدي، بحسب شرحه، إلى حرمانه من احتساب تلك الأجرة في المعاش لعدم استكمال شرط الاستفادة منها لمدة ثلاث سنوات قبل التقاعد.

وأضاف أن الفئة التي يمثلها “لم تستفد من الإطار الإداري الذي وُعدت به ابتداء من سنة 2021″، مشدداً على أن مطلبهم “لا يتعلق بالجانب المالي وحده، بل يشمل أيضاً تسوية الوضعية الإدارية بأثر رجعي”.

جراح التقاعد

لا تقتصر المطالب على الأساتذة الذين ما زالوا يمارسون التدريس، بل تشمل كذلك متقاعدين استوفوا شروط الترقية خلال حياتهم المهنية، لكنهم أحيلوا على التقاعد دون الاستفادة منها.

ويبرز في هذا السياق المسار المهني للهلالي، الذي قال إنه كان يزاول التدريس خلال الموسم الدراسي 2023-2024 قبل إحالته على التقاعد. وأضاف أنه بدأ عمله أستاذاً للتعليم الابتدائي سنة 1993، وعُيّن مباشرة في مناطق جبلية افتقرت إلى وسائل النقل والسكن وظروف العيش الملائمة.

واستعاد ظروف العمل في تلك المناطق، قائلاً: “عندما عينّا في التسعينيات بأعالي الجبال، كنا نتسلم التعيين من المديرية بدون سكن أو وسائل نقل، ونلتقي المدير مرة واحدة في السنة خلال الاجتماع الأول، فيسلمنا حقيبة بها طباشير وبعض الأدوات الهندسية البسيطة”.

وتحدث الهلالي عن مفارقة يراها في المسار المهني لرجال التعليم، إذ قد تضم المؤسسة نفسها أساتذة في السلم 10 وآخرين في السلم 11، إلى جانب أستاذ في الدرجة الممتازة، رغم أن هذا الأخير “قد يكون تلقى تعليمه على يد أحد الأساتذة الذين لم يستفيدوا من الترقية”.

وفي المقابل، قال إن عدداً من الأساتذة الذين اشتغلوا في المناطق النائية يعانون أمراضاً ومصاريف علاج مرتفعة، مضيفاً أن بعضهم “ينفق نصف أجرته على المستشفيات والأدوية”، بسبب أمراض ارتبطت بظروف السكن والعمل والتنقل في المناطق الجبلية مثل “الروماتيزم” و”السياك”، مشيراً إلى أن هذه الأخيرة “ناتجة عن سكن الحيف والتنقل حفاة بين الأودية والمناطق النائية”.

وأشار الهلالي إلى أن تعويضات الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي “لا تغطي جميع تكاليف العلاج، ما يدفع بعض زملائه إلى المساهمة من أموالهم لاستكمال ثمن الوصفات الطبية”.

وأضاف أن عدداً من رجال التعليم تعرضوا للتوقيف سنة 2023، وبالتالي حُرموا من الترقية مرتين؛ “مرة بسبب الإقصاء من الاستفادة منها، ومرة أخرى إثر عقوبة توبيخ مرتبطة بممارسة حقهم في الإضراب”.

حوار منتظر

من جهته، قدم رشيد البوكوري الأستاذ المزاول والنقابي جانباً من وضعيته المهنية بوصفه أستاذاً ما يزال يزاول مهامه داخل القسم، وقال إن “أمامه نحو 12 سنة قبل الإحالة على التقاعد”.

وأوضح أنه مرتب في الدرجة الأولى، السلم 11، منذ سنة 2011، وأنه “استوفى الشروط القانونية للترقية سنة 2016″، وكان يفترض أن يستفيد منها في تلك السنة، ثم ينتقل إلى الدرجة الممتازة بعد ثلاث سنوات.

واعتبر البوكوري أن استمرار هذه الوضعية “يترتب عنه حرمان مالي يمتد لسنوات”، قائلاً إن الدولة المغربية “مدينة لموظفي وزارة التربية الوطنية المعنيين بتعويض سنوات مستحقة عن الدرجة الممتازة”.

لكنه شدد على أن التنسيقية “لا تطالب بصرف جميع هذه المستحقات”، بل تدعو إلى فتح حوار “يفضي إلى الاتفاق على برمجة زمنية لتسوية الوضعية”، خصوصاً بالنسبة إلى المتقاعدين الذين استوفوا شروط الترقية قبل إحالتهم على التقاعد.

وقال: “نحن لا نطالب بفرض شروط تعجيزية، كالمطالبة بدفع 20 سنة دفعة واحدة، بل ندعو إلى الجلوس على طاولة الحوار والنقاش لوضع برمجة وجدولة زمنية منصفة”.

واعتبر البوكوري أن المتقاعدين “لا يتحملون مسؤولية تأخر الدولة في تنفيذ التزاماتها”، مضيفاً أن من أخل بالتزاماته هو الذي ينبغي أن يتحمل كلفة تعويض المتضررين عن أجورهم ومستحقاتهم المالية والإدارية.

وفي ما يتعلق بالوزير الجديد، قال إن الاستماع إلى مطالب الشغيلة التعليمية خطوة أولية يمكن أن تبشر بالخير، لكنه شدد على ضرورة أن تتبعها نتائج ملموسة.

وأضاف أن الإنصات الذي لا ينتهي إلى استجابة فعلية للمطالب سيكون، بحسب تعبيره، “مجرد ذر للرماد في العيون”، مؤكداً أن التنسيقية تنتظر تفعيل الاتفاق وإقرار ترقية شاملة للمقصيين، سواء كانوا مزاولين أم متقاعدين.

بدوره، أعرب الهلالي عن أمله في أن يفضي تشكيل الحكومة الجديدة إلى معالجة الملف، داعياً إلى حوار جاد يضم الوزارة والنقابات والتنسيقيات.

وقال: “نحن في التنسيقية لا نطلب المستحيل، بل نطلب جلسة حوار جادة ولا نطالب بالحل كاملاً دفعة واحدة، بل نتبنى قاعدة ‘ما لا يُدرك كله لا يُترك جله’ للوصول إلى حل وسط يطوي هذا الملف النازف”.

من يتحمل الكلفة؟

رفض الهلالي حصر إمكانية تسوية الملف في موافقة وزير المالية، معتبراً أن الحكومة تتحمل المسؤولية بشكل جماعي، وأن رئيس الحكومة ووزارة التربية الوطنية مطالبان بوضع تصور للحل، بينما يتولى وزير المالية تنفيذ القرارات وإدراج الاعتمادات اللازمة ضمن الميزانية العامة للدولة.

كما انتقد التعامل مع رجال التعليم بمنطق الكلفة المالية، مشيراً إلى أن هذا المنطق “لا يُستحضر بالطريقة نفسها عند الحديث عن الصفقات والمشاريع الكبرى والمبالغ المعلن عنها”.

وأكد أن مطالبه وزملاءه لا تتعلق بطلب مساعدة اجتماعية، بل بتسوية حقوق مالية وإدارية مستحقة، قائلاً: “نحن لا نطلب الصدقة أو الشفقة، بل نطالب بحقنا المستحق الذي يجب أن يخرج من الميزانية العامة للدولة ومن ثروات الفوسفاط والبحار، والذهب والفضة، والمشاريع الكبرى”.

ويتمسك المقصيون من الترقية إلى خارج السلم بمطلب التسوية الشاملة للملف عن طريق الحوار والتفاوض، مع التشديد على ضرورة أن تشمل المعالجة المزاولين والمتقاعدين، وأن تمتد إلى الأثرين المالي والإداري، بما ينهي، وفق مطلبهم، سنوات الانتظار التي يقولون إنهم قضوها دون الاستفادة من الترقية.