النساء يتحملن العبء الأكبر منها.. اعمارة يدعو إلى الاعتراف بمهن الرعاية وتنظيمها
دعا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى الاعتراف بمهن الرعاية وتنظيمها، معتبراً أن هذا القطاع لم يعد يُنظر إليه باعتباره شأناً أسرياً محضاً، بل يبرزه المجلس كأحد المكونات البنيوية للسياسات الاجتماعية والاقتصادية.
وجاء ذلك خلال افتتاح اللقاء التواصلي المخصص لتقديم مخرجات رأي المجلس حول موضوع “اقتصاد الرعاية: رهانات الاعتراف القطاعي والتنظيم المؤسساتي”، يوم الأربعاء 28 يناير 2026، حيث شدد رئيس المجلس، عبد القادر اعمارة، على أن الرعاية تمثل “مجموع الأنشطة والعلاقات التي تنشأ عند تقديم الدعم، وتهدف إلى تلبية الاحتياجات الجسدية والنفسية والعاطفية للأفراد”، سواء داخل الأسرة أو في الفضاءات المؤسساتية.
وأوضح اعمارة أن أعمال الرعاية تمتد من المجال الأسري، حيث “أم تواكب طفلها في سنواته الأولى، أو ابن يعتني بوالده المسن، أو أخت تسهر على أخيها في وضعية إعاقة”، إلى مجالات مؤسساتية تشمل المستشفيات، ودور رعاية المسنين، ومراكز الأشخاص في وضعية إعاقة، ورياض الأطفال، والجمعيات الاجتماعية.
ورغم هذا الامتداد الواسع، يلاحظ المجلس أن مهن الرعاية ما تزال تعاني من ضعف التنظيم وغياب الاعتراف المهني، في ظل عرض مؤسساتي “غير كافٍ للاستجابة للحاجيات المتنامية”، وتفاوتات مجالية واضحة، فضلاً عن تجزؤ البرامج الموجهة للأطفال، والمسنين، والنساء، والأشخاص في وضعية إعاقة.
وسلط رئيس المجلس الضوء على الكلفة غير المرئية لأعمال الرعاية غير المأجورة، مؤكداً أن النساء يتحملن الجزء الأكبر منها “في شكل رعاية غير مأجورة، تظل لامرئية وغير معترف بها”، وهو ما ينعكس سلباً على مساراتهن المهنية ومشاركتهن في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
وفي هذا السياق، أشار إلى معطيات المندوبية السامية للتخطيط، التي تفيد بأن إدماج العمل غير المأجور في الحسابات الوطنية من شأنه أن يرفع الناتج الداخلي الإجمالي بحوالي 19 في المائة، منها 16 في المائة تعود إلى أعمال الرعاية التي تقوم بها النساء، وهو ما يبرز حجم الإسهام الاقتصادي “غير المعترف به” الذي تؤديه هذه الأعمال.
وانطلاقاً من هذا التشخيص، شدد اعمارة على أن تطوير اقتصاد الرعاية “ليس مجرد التزام للدولة الاجتماعية، وإنما يمكن أن يشكل ركيزة حقيقية للتنمية الاقتصادية الدامجة”. وفي صلب هذا التوجه، تبرز الدعوة إلى تثمين مهن الرعاية والاعتراف بالمهنيين باعتبارهم الضامنين لاستدامة هذا القطاع الحيوي.
كما أكد المتحدث ضرورة اعتماد استراتيجية وطنية لاقتصاد الرعاية، “منظمة ومندمجة وطموحة، كفيلة بتحويل الرعاية إلى رافعة حقيقية للتنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية”.
وفي هذا الإطار، أوصى المجلس بالاعتراف بمجموع أعمال الرعاية وتنظيمها وإضفاء الطابع المهني عليها، عبر إعداد مصنف وطني موحد لمهن الرعاية، معزز بخريطة ترابية، وإرساء إطار وطني للتكوين والتأهيل والتصديق على الخبرات المكتسبة، إلى جانب ضمان شروط العمل اللائق والحماية الاجتماعية الشاملة.
كما دعا إلى الاعتراف بمهن المساعدين العائليين، سواء كانوا مهنيين أو من الأقارب، وتمكينهم من “إجازات خاصة، وبرامج للتكوين، وتعويضات مادية ملائمة”، وإدماجهم في منظومة الحماية الاجتماعية.
وتعزز نتائج الاستشارة المواطنة التي أطلقها المجلس عبر منصة “أشارك” هذا التوجه، حيث أظهرت أن 60 في المائة من المشاركين يعتبرون أن المساعدين الأسريين “لا يحظون بالاعتراف الكافي”. كما تصدر مطلب الاعتراف القانوني والاجتماعي بهذه المهن، ووضع نظام أساسي موحد، وتحسين ظروف العمل، قائمة المقترحات المقدمة.
وتكشف هذه المعطيات، بحسب المجلس، عن وعي مجتمعي متزايد بأهمية الرعاية، مقابل قصور السياسات العمومية في تأطير هذا القطاع وتأمين شروط اشتغاله العادلة.
ويؤكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن الرهان على اقتصاد الرعاية من شأنه أن يحقق مكاسب متعددة، من بينها تحسين التقائية السياسات العمومية، ودعم التنمية الترابية عبر مرافق القرب، وخلق فرص شغل مستدامة، خاصة لفائدة النساء والشباب.
وشدد عبد القادر اعمارة على أن الهدف من الاستراتيجية الوطنية المقترحة “لا يتمثل في التخلي عن التضامن الأسري”، الذي يظل ركيزة أساسية للتماسك الاجتماعي، بل في دعمه وتعزيزه عبر تقاسم أكثر إنصافاً لأعباء الرعاية بين الأسرة والدولة والجماعات الترابية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، بما يخرج مهن الرعاية من دائرة الهشاشة واللااعتراف إلى فضاء التنظيم والاعتبار المؤسساتي.