story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

النجاعة بعيدا عن السياسة في الجيل الجديد لبرامج التنمية الترابية المندمجة .. هل هي أزمة دولة وورطة أحزاب؟

ص ص

عرف المجلس الوزاري الأخير المنعقد يوم الخميس 9 أبريل 2026 م، تقديم عرض من طرف وزير الداخلية حول الخطوط العريضة للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، بهدف عام يروم تحسين ظروف عيش المواطنات والمواطنين وصون كرامتهم، عبر الرفع من جاذبية المجالات الترابية وتحفيز النمو الاقتصادي، وخلق فرص الشغل.

كما تم الإعلان أيضاً عن التقديرات الأولية للغلاف المالي الإجمالي لتنفيذ هذه البرامج على مدى ثمان (08) سنوات سيبلغ ما يناهز 210 مليار درهم. وتم تحديد آليات حكامة البرنامج وتنفيذه وتقييمه والتواصل بشأنه. حيث أُعْطِيَ للمجال، من خلال الولاة والعمال، صلاحية صياغة البرنامج وتتبع تنفيذ المشاريع والتشاور مع الساكنة وضمان الانسجام العام للمشاريع. أما التنفيذ فقد أُوكِل للجهات من خلال شركات مساهمة يترأس مجلس إدارتها رئيس الجهة، وستعوض هذه الشركات الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع، وقد كان هذا الأمر هو المدخل الدستوري والقانوني لإدراج هذا البرنامج في جدول أعمال المجلس الوزاري بالنظر إلى ضرورة تعديل القانون التنظيمي المتعلق بالجهات، وما اقتضاه ذلك من تدقيق وإعادة توزيع لاختصاصات الجهة، وتقوية قدراتها المالية وتعزيز استقلاليتها المالية، وضمان مساهمتها الفعلية في تمويل وتنفيذ برامج التنمية الترابية المندمجة. أما أدوار المركز في هذا البرنامج فقد حصرت في أمرين اثنين: الأمر الأول هو المصادقة على البرامج وضمان الاندماجية والتشاورية، ووضع مؤشرات للتتبع والتقييم لقياس مدى آثار المشاريع، ويتم هذا الأمر من خلال لجنة وطنية يرأسها رئيس الحكومة؛ وأما الأمر الثاني فهو التدقيق السنوي لقياس مستوى الأداء، والتأكد من احترام مساطر التنفيذ، وهو ما ستتولاه بشكل مشترك المفتشية العامة للمالية والمفتشية العامة للإدارة الترابية.

هذا هو ملخص مختصر للبرنامج كما تم عرضه بالمجلس الوزاري، ولا شك أن الأهداف المتوخاة من هذا البرنامج الأول من نوعه من حيث المقاربة والاتساع والشمول هي أهداف نبيلة تهدف إلى تحسين ظروف وإمكانيات عيش المواطن والانتباه إلى احتياجاته الحقيقية. وبالرغم من هذه الأهداف النبيلة المعلنة والمجهود الكبير الذي بذل في إعداد هذا البرنامج في وقت قياسي، إلا أنه وبمجرد الإعلان الرسمي عنه، انطلقت إزاءه التعليقات وردود الفعل سواء في مواقع التواصل الاجتماعي، أو بعض المواقع الإخبارية، والتي يمكن أن نجملها في سؤالين كبيرين: لأي شيء تصلح الانتخابات؟ ولأي شيء تصلح الأحزاب السياسية ونخبها وبرامجها؟

هذا المقال هو محاولة لتقليب النظر بعيداً عن أحكام القيمة وعن مرسل القول فيما يلي: هل يعكس الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة كما تم الإعلان عنه أزمة الدولة في تدبير السياسة من جهة، وورطة الأحزاب في تدبير التنمية من جهة أخرى؟ وهل من سبيل إلى توليفة جديدة تحقق الاحتياجات التنموية نَجَاعَةً إنجازاً ورَشَادَ حكامةٍ بما يعزز البناء التنموي والديموقراطي للوطن في إطار “الخصوصية المغربية”؟

برامج التنمية الترابية المندمجة إجابةُ الدولة عن احتجاجات الحواضر والهوامش

ربما لم يسبق للمغرب أن شهد احتجاجات شعبية شارك فيها نساء وشيوخ وأطفال البوادي والجبال، وكَمْ كان المشهد صادماً للجميع، بعدما تناقلت الهواتف الذكية قبل الوكالات والمواقع الإخبارية والقنوات التلفزية، شكلا احتجاجيا جديدا هو “مسيرات الأقدام” نحو العمالات. فقد انطلقت، على حين غرة وبطريقة غير معهودة، هذه المسيرات من الدواوير، حاملة مطالب ”تنموية” بسيطة لكنها أساسية، منها على سبيل المثال، رفع العزلة وتوفير طبيب في المركز الصحي وتغطية شبكة الهاتف… إلخ. وإجمالاً فيمكن اعتبار احتجاج ساكنة الجبال نوعاً من الاستنكار لـ ”لإقصاء الممنهج” و”الإهمال التنموي”، باللغة العالمة المسيسة.

والمثير للانتباه في “مسيرات الأقدام”، ولعله أهم ما أثار عقل الدولة الأمني والتنموي، هو القسمات المتهجمة والمصرة والمتحدية لوجوه المحتجين بمختلف أعمارهم وجنسهم، وذلك الإصرار الغريب على تجاوز كل ”الحواجز الأمنية”، وعدم الخوف من ”المخزن”، والإصرار على قطع الكيلومترات العديدة مشيا نحو وجهة محددة هي العمالات، وتوجيه المطالب إلى عمال الأقاليم، وكأن سكان الهوامش يختصرون مسافات القرار السياسي والتنموي، وهم يقفزون على كل عتبات البناء المؤسساتي للدولة، ويتوجهون مباشرة إلى أهل ”الحل والعقد”.

ولم تكد الدولة تجمع معطيات احتجاجات الهوامش وتبحث لها عن حلول تبعد عنها الارتدادات المهددة للتوازنات، حتى فاجأتها احتجاجات الحواضر، من خلال حراك ”جيل زد 212”، وذلك بعد أن خرج مئات المواطنين للاحتجاج أمام مستشفى الحسن الثاني بأكادير، ”مستشفى الموت” كما سمّاه المحتجون، بعد وفاة 8 نساء أثناء الوضع في أقل من شهر واحد. ثم ما لبثت رقعة هذه الاحتجاجات أن توسعت لتعم مدنا كثيرة، ولتظهر معها للعلن حركة (Genz212)، وهي النسخة المغربية من الحركات الاحتجاجية الشبابية المنطلقة من منصة ”ديسكورد”. وقد عزفت هذه الحركة على لحن مغاير لاحتجاجات الهوامش ومتقاطع معها في الآن نفسه، حيث كان الشباب المحتج يعري ما اعتبره أزمات بنيوية هي البطالة المزمنة، وضعف خدمات الصحة والتعليم، وتفشي الفساد وغياب الشفافية. بل إن الاحتجاجات طالت الأسبقيات الوطنية وأولويات الإنفاق العمومي، حيث تم انتقاد صرف مليارات الدراهم على الاستعداد لاستضافة كأسَي إفريقيا والعالم مع إهمال الخدمات العمومية اليومية في الصحة والتعليم. وقد تمت هذه الاحتجاجات في بعد تام عن المؤسسات الوسيطة وعلى رأسها الأحزاب السياسية.

وقد عرفت هذه الاحتجاجات أحداثاً عنيفة، وتداعيات كبيرة، وارتدادات مؤثرة، إلى أن جاء كل من الخطاب الملكي أمام البرلمان في افتتاح الدورة التشريعية لشهر أكتوبر، واجتماع مجلس وزاري في 19 أكتوبر 2025، ليشكلا معاً بداية نقطة تحوّل مهمة في مسار الاحتجاجات. حيث تفاعلت الدولة مع الاحتجاجات بطريقتها الخاصة التي تقوم على توليفة الإصغاء للمطالب وحفظ منطق وهيبة الدولة وتقديم أجوبة وإجراءات ممتدة في الزمن، بما يعطي الإشارات إلى عموم المحتجين بأن رسالتهم قد وصلت.

وبالمناسبة فإن تفاعل الدولة مع احتجاجات الهوامش بدأ منذ خطاب العرش 2025، وقبل انطلاق احتجاجات الحواضر، وذلك من خلال الأمر بإطلاق ”الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة”، والحث على توحيد سرعة التنمية في سرعة واحدة عوض سرعتين، وتسريع وتصحيح الإصلاحات في قطاعي الصحة والتعليم.

وقد استمر التفاعل الممتد في الزمن بعقل الدولة وإيقاعها لا برغبات المحتجين وإيقاع احتجاجاتهم ووضوح مطالبهم، من خلال الإبعاد الصريح والصارم لرئيس الحكومة عن التنافس الانتخابي لسنة 2026، خاصة بعدما حصلت القناعة لدى الخاص والعام أن الرجل أصبح ثقلا على السياسة والتنمية، سواء من خلال إخفاقاته في تدبير عدد من السياسات العمومية، خاصة تلك التي كانت سبباً مباشراً للاحتجاجات، أو من خلال سلوك سياسي مستفز يضرب عرض الحائط وبطريقة فجة ومكلفة، مبادئ الحكامة الجيدة والسلوك السياسي المستقيم، وذلك من خلال الإيغال في الجمع بين السلطة والمال وما نتج عن ذلك من تضارب للمصالح والتحصل على امتيازات في عالم الأعمال من مداخل لا تستقيم سِياسةً وإن كانت لها مخارج غير مجرمةً قانوناً.

والخلاصة الأولى المرتبطة بما نحن فيه من موضوع هذا المقال، هو أن ”الدولة العليا” -على حد تعبير أحدهم-، وهي متحررة من عقال التنافس الانتخابي، ومن أزمنة الحكومات وأولويات الأحزاب، تحرص على تدبير ”المخاطر” المرتبطة بالهشاشة الاجتماعية والتهميش التنموي، وما يمثله ذلك من تحديات وتهديدات مربكة للاستقرار ومضرة بالمكاسب الاستراتيجية للدولة والمجتمع. وفي سبيل حفظ هذه المكاسب العابرة للأزمنة الانتخابية والحزبية، لا تتردد دوائر القرار في الأخذ بزمام المبادرة التنموية بما يمنع المخاطر ويهدد المكاسب. وفي مثل هذه السياقات فإن الانسجام مع معايير ”الديمقراطية المعيارية” لا يكون دائما أولوية كبرى ولا هما مركزيا لعقل ”الدولة العليا”، خاصة حين استحضار ”الإعاقات” البنيوية الذاتية والموضوعية لدى الأحزاب السياسية. وتبعا لكل ذلك، وتحت ضغط تهديدات تدبير الزمن ”الاحتجاجي”، فإن ”أهل الحل والعقد” لا يجدون من الوقت متسعا لتحمل ثقل المسارات الديمقراطية وتعقيداتها والإيقاع البطيء لمساطرها، وضعف النخب الحزبية، فيبادرون إلى إعمال وصفة ”التنمية أولاً والنجاعة وسيلة والسياسة مكملة”، اقتناعاً منهم بأن المواطن لم يعد يطيق صبرا، وأنه يريد تحقيق احتياجاته ومطالبه المشروعة الآن وفورا ”Just in time”، واعتقاداً منهم أن الزمن التنموي أثمن وأهم من الزمن الحزبي الغارق فيما لا ينبني عليه عمل.

برامج التنمية الترابية المندمجة .. التنمية أولا

تأملت مَلِيّاً فيما رشح من معطيات منذ الإعلان عن انطلاق إعداد الجيل الجديد لبرامج التنمية الترابية المندمجة إلى حين الإعلان الرسمي عن خلاصاته، بما قد يسعف في تكوين تصور عام أولي حوله، وقد استخلصت من ذلك ما يلي:

المسألة الأولى من حيث منهجية إعداد وإخراج هذه البرامج إلى حيز الوجود، فهي لم تأت بجديد أو غريب من حيث ”صنعة التخطيط والبرمجة”. ذلك أن منهجية التخطيط الاستراتيجي التشاركي للسياسات العمومية المجالية، كما أعملته فرق القيادة والإعداد، هي منهجية متعارف عليها وعلى مراحلها تشخيصا ترابيا تشاركيا، وتوافقا حول صورة مشتركة للمستقبل المجالي في انسجام مع الإطار العام لهذه البرامج كما حدده خطاب العرش لسنة 2025، ثم بعد ذلك اقتراح وتنسيق برامج قابلة للتنفيذ، والحصر الأولي والعام للميزانيات التقديرية، ثم تحديد آليات الحكامة والتنفيذ والتقييم والتواصل. ومنهجيا يمكن القول بأن هذا الذي تم هو من العلم المشاع في دوائر المختصين، كما أنه من الخبرات التي راكمها المغرب منذ سنوات في مستويات متعددة، منذ أن تم اعتماد برامج التهيئة الحضرية على مستوى الولايات والعمالات، والبرامج التنموية للجماعات الترابية بمختلف نسخها بدأ من سنة 2003.

وأما الجديد الدال والنوعي في منهجية إعداد هذا الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، هو هذه المقاربة والبرمجة الموحدة والشاملة على المستوى الوطني، فلأول مرة يتم توحيد برامج التنمية المجالية زمنيا ومنهجا وحكامة وتمويلا، ولا شك أن لهذا الأمر إيجابيات كثيرة منها التوفر على تشخيص شامل لكل التراب الوطني، وعلى أهداف عامة تنموية موحدة، فضلاً عن توحيد إيقاع وزمن تأهيل وتنمية المجال وتقليص فوارقه.

وهنا، وبغض النظر عن المنافع التي يتوقعها هذا البرنامج والتي قد تحصل بقدر معتبر، فإن هناك إشكالا قانونيا وسياسيا وانتخابياً أساسياً يسائلنا جميعا: ماذا ترك للأحزاب لتقترحه في برامجها الانتخابية لسنة 2027؟ وماهي مضامين برامج العمل ستعدها الجماعات الترابية، جهات وعمالات وأقاليم وجماعات، في الولاية الانتدابية 2027-2032؟ وما هو هامش ”الاجتهاد التنموي” والبرمجي والمالي للمنتخب المجالي؟ مادام أن هذا البرنامج الجديد سيغطي المدى الزمني الكامل للولاية المقبلة للمجالس المنتخبة.

والمسألة الثانية في هذا السياق، هي نموذج الحكامة الذي تم اعتماده في هذا الجيل الجديد برامج التنمية الترابية المندمجة، الذي يتميز بالترتيب الواضح والفصل الصارم بين مستويات الحكامة مجاليا ومركزيا، بدءا من المستوى المحلي في العمالات حيث صياغة البرنامج وتتبع تنفيذ المشاريع، والتشاور مع الساكنة، وبعده مستوى الولايات حيث تجميع برامج العمالات والأقاليم بالجهة وضمان الانسجام العام للمشاريع، ثم أخيرا المستوى الوطني حيث القيادة العامة التي ستتولى مهام المصادقة على البرامج، وضمان طابعها المندمج والتشاوري، ووضع مؤشرات للتتبع والتقييم لقياس مدى آثار المشاريع.

ولمن يسأل عن حضور المنتخب في هذا النموذج من الحكامة، فالجواب أنه ”حاضر” على مختلف المستويات، فمحليا يحضر بصفته عضوا في اللجنة المحلية التي يترأسها عامل العمالة أو الإقليم، وتضم المنتخبين وممثلي المصالح اللاممركزة للدولة؛ وجهويا هو حاضر أيضا من خلال اللجنة التي يترأسها والي الجهة، كما يحضر رئيس الجهة في حلقة رئيسية وهي آليات التنفيذ، حيث يترأس مجلس إدارة الشركة المساهمة التي سيوكل إليها القانون التنظيمي المتعلق بالجهات مهمة تنفيذ مشاريع الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة؛ ووطنيا يحضر المنتخب بصفته رئيسا للجنة الوطنية ورئيسا للحكومة وممثلا للحزب الذي يتصدر الانتخابات التشريعية.

إن أهم ملاحظة تثير الانتباه حين التأمل في هذا النموذج من الحكامة، هو الحضور الوازن لرجال الإدارة الترابية، ممثلين في الولاة والعمال ومن هم داخلون تحت سلطتهم في عموم المجال الترابي، ويتمثل هذا الحضور في قيادتهم وتدبيرهم لكل مراحل إعداد هذا البرنامج صياغة وتتبعا وتشاورا مع الساكنة وتجميعا لبرامج العمالات والأقاليم بالجهة وضمانا للانسجام العام للمشاريع، وهذا انعكاس لما سبق أن أشرنا إليه، من رغبة في تحقيق النجاعة في القيادة وتوحيد الجهود التنموية، وذلك لما يتمتع به الولاة والعمال من صلاحيات قانونية وواقعية تمنحهم سلطة توجيه وتوحيد أعمال مختلف الفاعلين الترابيين من مختلف المؤسسات سواء منها الإدارية أو المنتخبة.

ثم إن سؤالا آخر يطرح من منطلق النجاعة والإنجاز المتناسب مع الخصاص ومع احتياجات المواطنين، من هي الجهة -من غير الإدارة الترابية- التي تملك القدرة القانونية والواقعية الكفيلة بإنجاز برامج من هذا الحجم؟ ثم من هي هذه ”المؤسسة المنتخبة” المؤهلة قانونيا والقادرة سياسيا وواقعيا على الإنجاز الفعلي لكل مراحل برامج من هذا الحجم؟ ويزداد الوضع تعقيدا إذا استحضرنا ضعف النخب الحزبية وتفكك الأغلبيات وغلبة الاعتبارات الانتخابية والمصلحية، والتي تجلت بشكل فاقع وواضح ومحبط مع نخب الثامن من شتنبر.

لكن في المقابل، يمكن أن نتساءل من منطلق ”الديمقراطية المعيارية” مرة أخرى، عن معنى اجتماع كل هذه الأدوار في جهة واحدة هي ”السلطة الإدارية”، وبالتبع يطرح سؤال أساسي هو ماذا بقي ”للسلطة المنتخبة”؟ ثم، بنفس المنطق، ما هي السياسة إذا لم تكن صياغة للبرامج وتتبعا لها وتشاورا وتواصلا بشأنها مع الساكنة؟ ثم ماذا بقي للأحزاب السياسة ولنخبها أن تقترحه على المواطنين في الانتخابات الجماعية والجهوية المقبلة؟ ما دام أن التشخيصات قد تمت، والبرامج قد سطرت، والميزانيات قد حددت، وصيغ الحكامة والتتبع والتقييم قد حسمت.

لكن العجيب والغريب في نموذج الحكامة هذا -إذا نحن نظرنا إليه مرة أخرى من منطلق ”الديمقراطية المعيارية”- هو أنه أوكل مسؤولية التنفيذ للمنتخَب ممثَّلاً في رئيس الجهة بصفته رئيساً لمجلس إدارة الشركة المساهمة المكلَّفة بتنفيذ مشاريع الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، وهو ما سيجعل رئيس الجهة موضوعاً أساسياً للمراقبة ولربط المسؤولية بالمحاسبة، بحيث سيخضع كل سنة للمساءلة والتدقيق بخصوص تنفيذ هذه البرامج من قِبَل المفتشية العامة للمالية والمفتشية العامة للإدارة الترابية لقياس مستوى الأداء والتأكد من احترام مساطر التنفيذ.

ويُعدّ هذا الأمر -بقصد أو بدونه- تحولاً جوهرياً في مفهوم السياسة وأدوار المنتخَب، بحيث يتم التقليص الواسع والسحب الناعم لأدوار ومهام ”السياسي المنتخَب”، وتتمثل، فيما نحن بصدده، في صياغة البرامج والتداول فيها والتصويت عليها وتتبعها والتواصل بشأنها مع الساكنة. وهكذا يصبح ”السياسي المنتخَب” أداةَ تنفيذ مسؤولة عن الجودة وعن الاختلالات، فضلاً عن تحمله للمسؤولية القانونية والسياسية عن سياسات عمومية وبرامج تنموية صِيغت في غيابه، وذلك إذا افترضنا أن الانتخابات الجهوية المقبلة ستُفرز أغلبيات ورؤساء جدداً تبعاً لما ستعبر عنه وتُفرزه صناديق الاقتراع.

والخلاصة هي أن ”كبير المنتخَبين” على مستوى الجهة، سيصبح تكنوقراطياً تنفيذياً يمضي -في هذا النموذج من الحكامة- معظم أوقاته في تنفيذ المشاريع وتتبع أشغالها وتحمّل مسؤولياتها السياسية والقانونية، في حين سيصبح ”كبير الموظفين” على مستوى الجهة سياسياً يقود مسارات إعداد البرامج وصياغتها وتتبعها والتشاور بخصوصها والتواصل بشأنها مع الساكنة، بعيداً عن المسؤوليات السياسية والقانونية المباشرة فيما يمكن أن يعرفه تنفيذ هذه البرامج من تعثرات واختلالات. وهنا نحن في مشهد تمشي فيه ”الديمقراطية المعيارية” على رأسها، بحيث تنقلب فيها الأدوار والمهام والمسؤوليات.

والمسألة الثالثة، هي التكلفة المالية المعلنة للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، فالتقديرات الأولية المعلنة للغلاف المالي الإجمالي لتنفيذ هذه البرامج على مدى ثمان (08) سنوات سيبلغ ما يناهز 210 مليار درهم. وإن تصور البعض أن هذا الغلاف ضخم من الوهلة الأولى، إلا أن تقسيمه على السنوات والجهات سيعطينا مخصصات مالية معقولة، ولعلها لن تكون كافية لتقليص الفوارق والسير بسرعة تنموية واحدة. فالميزانية التقديرية السنوية تفوق بقليل 26 مليار درهم، وإذا قسمنا نظرياً هذا المبلغ بالتساوي على 12 جهة فإن حصة كل جهة تفوق بقليل 2 مليار درهم، وهو غلاف مالي ”عادي”، خاصة إذا استحضرنا أن توفيره سيكون من خلال تركيبة مالية مبنية على شراكات بين كافة المؤسسات المنتخبة والمصالح المركزية وعلى توجيه أوجه الصرف الخاصة بميزانيات الاستثمار الخاصة بالجماعات الترابية إلى تمويل المشاريع التي يتضمنها البرنامج. طبعاً لن تكون قسمة الميزانيات بهذا التساوي، وهو أمر طبيعي بالنظر إلى الخصاص التنموي وإمكانيات كل جهة على حدة.

ومن أجل ضمان استدامة تمويل هذا البرنامج سيتم الاعتماد على الجهات لتكون هي العمود الفقري وذلك من خلال ما سيتيحه القانون التنظيمي المعدل من تقوية للقدرات المالية للجهات وتعزيز استقلاليتها المالية، بما يضمن مساهمتها الفعلية في تمويل وتنفيذ برامج التنمية الترابية المندمجة.

وبالنظر إلى احتياجات تمويل برنامج من هذا الحجم، فمما لا شك فيه أن الآثار المباشرة للتركيبة المالية للبرنامج ستكون على مستوى حصر وتحديد أولويات صرف ميزانيات الجماعات الترابية -جهات وأقاليم وعمالات وجماعات- خلال الولاية الانتدابية 2027-2032، بما يجعل توفير الاعتمادات المالية للمشاريع المتضمنة في الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة أولية الأولويات. وعليه فيمكن القول من الآن أن مشاريع الميزانيات التي ستتداول فيها المجالس المنتخبة، فيما تبقى من الولاية الحالية وفي الولاية القادمة، ستحدد وستحصر سلفا طبقا لمضامين برامج التنمية الترابية المندمجة، بحيث ستكون الميزانيات المجالية مجبرة على برمجة فوائضها -إن وجدت- في تمويل اتفاقيات الشركات المتعددة الشركاء والمخصصة لإنجاز مشاريع برامج التنمية الترابية المندمجة. وبما أن الميزانيات تخضع بالضرورة إلى قرار التأشير من قبل الولاة والعمال، فإنه سيعسر على أي رئيس كيفما كان لونه السياسي وأغلبيته الانتخابية وقدراته الترافعية والتفاوضية، ومهما كانت الفوائض التي سيحققها، أن يضمن ميزانيات الاستثمار الخاصة بمجلسه -الجزء الثاني من الميزانية- مخصصات مالية خارجة عن أولويات ومشاريع برنامج التنمية الترابية المندمجة.

مسألة مالية أخرى ستنزل بثقلها على ميزانيات الجماعات الترابية، وهي وجهة المخصصات المالية الخاصة ”Les dotations spéciales”، التي ستكون وجهتها الأولى والأساسية ولربما الوحيدة هي برامج التنمية الترابية المندمجة.

والخلاصة الثانية المرتبطة بما نحن فيه من موضوع هذا المقال، تتمثل في بيان ميل ”الدولة العليا” إلى تأمين المكتسبات السياسية والتنموية الاستراتيجية للدولة والمجتمع، من خلال الاستجابة الفورية والانجاز الفعال واختصار الزمن التنموي، بما يمكن من الاستجابة لاحتياجات الساكنة ومطالبها، خاصة إذا رافقها احتجاجات وتوترات اجتماعية قابلة للتمدد ومهددة للاستقرار السياسي والاجتماعي. وإذا كان هذا السلوك بالنسبة للدولة سلوكاً طبيعياً بغايات نبيلة ومتفهمة، إلا أن إعمال ذلك بعيداً عن طبائع السياسة، في السياق المغربي وفي إطار نسقه السياسي، يرسل رسالة سياسية لعموم المجتمع، مفادها أن باب تحقيق المطالب لا يمر إلا من خلال ”الإدارة”، وأن المنتخب، خاصة حين انشغاله بمصالحه الخاصة وهو شأن كثير من الساسة للأسف، إنما هو إضاعة للوقت وطرق للباب الخطأ. ويكون الأثر السياسي الطبيعي لهذا الأمر هو تجريد المجتمع من أدوات السياسة ومؤسساتها وتهشيم مؤسسات الوساطة، واختصار مؤسسات امتصاص الاحتجاجات والتدافعات الطبيعية في كل مجتمع حي، وتجميع مراتبها واختصار عتباتها وتوجيهها إلى وجهة واحدة هي ”الدولة”، وهذا خطر داهم وجب الانتباه إليه، إذ هو أشبه ما يكون بدفع عموم المتقاضين إلى التوجه رأسا إلى محكمة النقض دون سلك درجات التقاضي المتعارف عليها.

وإذا كان النظر المنصف للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة يقتضي تثمين كثير من مضامينه، وعلى رأسها أهدافه النبيلة كما حددها جلالة الملك، والتي لا شك في أنها إن تحققت ستعود بخير عميم على الوطن والمواطنين، ومنها أيضاً منهجية الإعداد وما نتج عنها من توحيد لزمن التخطيط والبرمجة، ومنها كذلك تحديد آليات التمويل والمتابعة والتقييم وتوحيدها، فضلاً عن اتساع المجال الترابي وشموله ليعمّ كافة الوطن لأول مرة في تاريخ برامج التهيئة والتنمية المجالية. إلا أن كل هذه المنافع قد تصبح على كفّ عفريت إن هي خالفت طبائع العمران السياسي والشروط الدنيا للديمقراطية المعيارية. ويقتضي هذا استثمار محطة عرض تعديلات القانون التنظيمي المتعلق بالجهات على البرلمان لتعديل ما يمكن تعديله، ومن ذلك تمكين المجالس المنتخبة من التداول والتصويت على ما يخصهم من مضامين هذا البرنامج. كما أن الفرصة ستكون أكبر حين الإعداد للانتخابات الجهوية والجماعية لسنة 2027، لمراجعة عميقة للقوانين التنظيمية وفتح نقاش سياسي حقيقي حول ”هندسة القرار الترابي”، بما يضمن التوازن اللازم والنافع بين الحاجة الضرورية للنجاعة في إنجاز البرامج التنموية من جهة، والحاجة إلى السياسة بما هي الأساس المتين لتدبير العمران وحفظ الاستقرار الحقيقي والمستدام للأوطان من جهة أخرى.

أزمة دولة وورطة أحزاب .. عود على بدء

ختاما، عودة إلى السياسة الخالصة، إن المتأمل الفاحص للتاريخ السياسي المعاصر للمغرب منذ الاستقلال إلى الآن، يمكن أن يلحظ توالي وانتظام ثلاثة رهانات أساسية، فأما الرهان الأول فهو رهان استقرار الملك واستمراره في القيام بأدواره كما رسخت عبر الزمن في حفريات النسق السياسي المغربي؛ والرهان الثاني هو تدافع المجتمع من أجل الحرية والكرامة والديمقراطية في تمثلاتها وتجاربها المتنوعة والمختلفة المرجعيات المذهبية والسياسية والاجتماعية؛ والرهان الثالث والأخير فهو التحدي التنموي والاقتصادي وضرورته في ضمان الاستقرار ومنع مخاطر غلبة الفقر والهشاشة وما يشكله ذلك من تهديدات لعموم الفاعلين والمواطنين.

وخلال هذا المسار نشأ ونما ورسخ واقع سياسي واقتصادي واجتماعي ثنائي القطب، يتمثل القطب الأول في ”الدولة العليا” التي تدير بأدواتها ودوائر نفوذها وخبرتها التاريخية وإمكانياتها المتنوعة والكبيرة والحصرية مجالات حيوية منها الاستراتيجي ومنها غيره، بما يحفظ مصالحها ويقوي حضورها وأدوارها. وأما القطب الثاني فهو القطب المنبثق من المجتمع انبثاقاً طبيعياً بعيداً عن الصناعة التحويلية والتحويرية، والمتسلح بأدوات السياسة مطالبةً وتدافعاً واحتجاجاً، لكنه يستبطن فيه ويستصحب معه إعاقات بنيوية بعضها متأتي من المجتمع وما يعتريه من أعطاب، والبعض الآخر متأتي بالإجمال من ”أمراض الأحزاب”.

والعجيب والفريد من منطلق ”الخصوصية المغربية” أنه حين المعارك الكبرى والأزمات العظمى واللحظات التاريخية المفصلية، ويمكن أن نسوق هنا مثالاً لذلك محطات الاستقلال والتناوب و”ثورات الربيع العربي”، فضلاً عن باقي التوترات والاحتجاجات، تقف ”الدولة العليا” وأدواتها أمام حقيقة عدم كفاية سياستها وأدواتها ونخبها وعموم المستفيدين من ”خيراتها” لمواجهة تحديات وإكراهات ”السياسة الخالصة”. وحينها وبشكل طبيعي وتلقائي تبرز إلى الواجهة أدوار الساسة المنبثقين من المجتمع، وتتبين الحاجة إلى السياسة والسياسيين، والعجيب والفريد أيضاً في هذه ”الخصوصية المغربية” أنه ما أن تمر لحظات ”الاحتياج للساسة” حتى تتراجع أدوارهم ومواقعهم سواء من جهة استغناء ”الدولة العليا” عن أدوارهم، أو من جهة عدم قدرتهم على إيجاد التوليفة الملائمة بين السياسة والنجاعة، بعيداً عن الاكتفاء بكسبهم من ”السياسة العامة” التي تنتهي أدوارها بانتهاء أسباب ورودها. طبعاً هذا الأمر ينبغي فيه استحضار أثر معارك استرجاع أدوار ومواقع نفوذ وأدوات ونخب وعموم المستفيدين من ”الدولة العليا”.

وهنا من المفيد استحضار حصاد ثلاثة تجارب سياسية كثيفة في تاريخ ما بعد الاستقلال، وهي تجارب العبادلة الثلاث، عبد الله إبراهيم وعبد الرحمان اليوسفي وعبد الإله بنكيران، وهي تجارب تغطي لحظات مفصلية وأساسية من تاريخ مغرب ما بعد الاستقلال إلى اليوم، وهي أيضا تجارب مكثفة وذات حمولة سياسية عالية ومتكررة، لكن كل واحدة منها انتهت بتراجع لأدوار السياسة وتمدد لأدوات الإدارة وإعادة ترتيب للأسبقيات الوطنية من منطلق ”عقل الدولة” التي تريد نجاعة تساير احتياجاتها وإكراهاتها، بعيداً عن متمنيات الساسة وأولوياتهم ومعاركهم.

وهنا الأسئلة الكبيرة ماضيا وحاضرا ومستقبلا، إلى متى سنستمر في تجريب المجرب، والوصول إلى نفس الخلاصات، وإعادة تدوير أزمات الدولة والأحزاب والمجتمع؟ وهل من سبيل إلى ”نموذج سياسي جديد”؟ نموذج على مدى زمني معقول يرتب معادلة التنمية والديمقراطية، في خلطة مثلى بين متطلبات النجاعة في علاقتها بما توفره ”الدولة العليا” من إمكانيات، وما هو متحصل واقعاً من تجذر قوي وفعال لأدواتها التنفيذية، وبين ”ديمقراطية مغربية” واقعية برغماتية بعيدا عن ”الديموقراطية المعيارية” المستقيمة نظرا والمتعسرة واقعا، نحفظ من خلالها الحدود الدنيا لسنن العمران السياسي بالقدر النافع المنتج لديموقراطية تستقيم بها أحوال الدولة والمجتمع، بما يمكنهما معا من تدبير ”التدافعات” والاحتجاجات” بأقل المغارم وأكبر المكاسب بما يمنع فساد الأرض، ”وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ”.

ويقتضي هذا الأمر تفكيراً جريئاً وعميقاً واستراتيجيا متحرراً من ”النماذج التاريخية” للعمل الحزبي والسياسي في علاقته بأدوار ”الدولة العليا”، كما يقتضي هذا الأمر أيضاً تحرر الدولة من رغباتها في التمدد المتفلت من عقال ”الديمقراطية المعيارية”، ومن وهم الإحاطة بالمجتمع ضبطاً وتوجيهاً بأدوات الإدارة وإملاءاتها لا بكمياء السياسة وإمكاناتها. وليس المقصود من هذا الكلام الحديث عن تعديل الدستور ومراجعته، فالإشكال اليوم هو كيف السبيل إلى الوصول للمساحات السياسية الواسعة التي يتيحها دستور 2011؟ وهنا يكون المطلوب هو البحث عن ”توافق سياسي” تحت سقف الدستور الحالي بخريطة طريق واضحة توصلنا إلى ”خلطة مغربية” لتدبير معادلة التنمية نجاعةً والديموقراطية سياسةً، في توازن وتكامل نافع بين الدولة والمجتمع ممثلا في نخبه السياسية والحزبية.

ختاما، هذا تمرين ثقافي وسياسي صعب عسير خاصة مع استحضار ما تشهده السياسة من تجريف ذاتي وموضوعي، لكنه مع ذلك هو تمرين ضروري لازم، إن شئنا الخروج والنجاة من شرنقة تجريب المجرب، وكسر ثنائية ”هم” أي الدولة وما ساكنها وجاورها، في مقابل ”نحن” أي المجتمع وما صلح فيه ومن يحاول الإصلاح انطلاقاً منه. إنها سفينة واحدة موحدة الوجهة ومشتركة المصير، ولن ينجيها الخرق إن هو أصابها، ولو كان ذلك بحجة الإصلاح و ”منع الأذى”، وبذلك يكون التمرين الضروري للنجاة التفاعل من منطق ”إِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرادُوا هَلكُوا جَمِيعًا، وإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِم نَجَوْا ونَجَوْا جَمِيعًا ”، وهذا باب من المجاهدة عظيم الأجر وافر المنافع. وصفوة القول، أن تكون الدولة مُنشَغِلةً انشغالاً مباشراً، من خلال أجهزتها الصلبة والسائلة، بالتدبير المباشر لمشاريع تنمية المجال، فتلك هي الأزمة، وأن تكون الأحزاب السياسية عاجزةً عن القيام بأدوارها التنموية والسياسية، وراضيةً بما يترك لها وفرحةً بما آتاها مما فَضَلَ، فتلك هي الورطة، وأن يكون المجتمع بعيداً عن الأحزاب وغير محتاج إليها، وأن يكون ملتحماً بالدولة التي تقوم بكل شؤونه صغيرها وكبيرها، فإن ذلك هو وضع الأزمة والورطة مجتمعتان ومتعانقتان.