إيران.. احتجاجات داخلية وتهديدات إسرائيلية تلوح بحرب قادمة
تعيش إيران في الأيام الأخيرة لحظة بالغة الحساسية، تتقاطع فيها أزمات الداخل المتعلقة بالاحتجاجات الشعبية على سياسة الحكومة الإيرانية، مع تهديدات الخارج المتمثلة في استفزازات واشنطن وتل أبيب المتكررة وتلويحهما بتصعيد قد يجر المنطقة إلى حرب شاملة.
في ظل هذا المشهد الذي يعيد إلى الواجهة الحرب المباغثة التي شنتها تل أبيب في شهر يونيو من السنة الفارطة ضد إيران وما تلاها من قصف صاروخي متبادل بين الطرفين، يطرح السؤال حول ما إذا كانت الاحتجاجات الإجتماعية المتصاعدة في عموم دولة إيران تشكل عامل ضغط داخلي مؤقتا فحسب، أم أنها ستتحول تدريجيا إلى ورقة ضغط تستغلها إسرائيل برعاية أمريكية كذريعة لشن حرب على إيران، وإسقاط نظامها الحالي؟
ضغط داخلي و احتجاجات متصاعدة
منذ 28 دجنبر الماضي، تشهد إيران موجة احتجاجات على خلفية التدهور الحاد في الأوضاع المعيشية، وانخفاض قيمة الريال الإيراني، وارتفاع الأسعار، وهي احتجاجات انطلقت من السوق الكبير في طهران قبل أن تمتد إلى مدن أخرى، وتستقطب فئات مختلفة، من تجار وموظفين إلى طلاب جامعيين.
وبعد مرور قرابة 10 أيام على هذه التحركات، سجلت البلاد سقوط قتلى وجرحى، واتساع رقعة التوتر خارج العاصمة، وعودة المظاهرات الليلية، ما دفع السلطات إلى تشديد الإجراءات الأمنية، بحيث أفادت وكالة “فارس” قبل أيام بمقتل ثلاثة أشخاص في هجوم استهدف مقرا للشرطة في مدينة “أزنا “بمحافظة “لرستان، إضافة إلى مقتل عنصر من قوات “الباسيج” في كوهدشت، فيما أعلنت السلطات توقيف عشرات المحتجين وفتح تحقيقات قضائية.
ورغم تأكيد المسؤولين المحليين استعادة الهدوء في بعض المناطق واعتقال “قادة الاحتجاجات”، إلا أن اتساع رقعة التظاهرات إلى مدن صغيرة، وعودة الاحتجاجات الليلية، يوحيان بأن الغضب الاجتماعي لم يُحتوَ بعد، حتى وإن كانت هذه التحركات أضيق نطاقا مقارنة باحتجاجات أواخر 2022 التي اندلعت عقب وفاة الشابة “مهسا أميني”.
وتبدو هذه الاحتجاجات، وإن كانت ذات طابع معيشي، مؤشرا على هشاشة التوازن الاجتماعي في ظل العقوبات، وتراجع الموارد، و كذلك الضغوط الإقتصادية المتراكمة على طهران، ما يضع النظام الإيراني أمام تحدي احتواء الشارع دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تستثمرها إسرائيل و الولايات المتحدة الأمريكية.
ضغط أمريكي- إسرائيلي متزايد
يرى عدد من الخبراء أن تزامن الاحتجاجات الاجتماعية مع تصعيد الخطاب الإسرائيلي الأميركي ليس محض صدفة، و إنما يدخل ضمن حسابات استراتيجية أوسع، توظف فيها الأزمات الداخلية لإضعاف الموقف الإيراني إقليميا، وتهيئة المناخ السياسي والإعلامي لأي مواجهة محتملة في الأشهر القادمة.
وموازاة مع هذا الإحتقان الداخلي، أثارت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب جدلا واسعا، بعدما كتب عبر منصة “إكس” أن الولايات المتحدة ستتدخل “لإنقاذ” المتظاهرين إذا أطلقت إيران النار على محتجين سلميين، مؤكدا أن واشنطن “على أهبة الاستعداد”.
وقال ترامب في تصريح لوسائل الإعلام يوم الإثنين 05 يناير 2026، إنه “يراقب الأوضاع في إيران عن كثب” مضيفا أن “استمرار إيران في قتل المتظاهرين كما كانت تفعل في السابق قد يدفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى توجيه ضربة قوية لطهران”.
وفي نفس السياق تتصاعد حدة التهديدات الإسرائيلية تجاه طهران، حيث اعتبر قائد القيادة الوسطى في جيش الاحتلال، آفي بلوط، في تصريح سابق يدل على تصعيد قادم، أن “على تل أبيب الاستعداد لـحرب مفاجئة” والحفاظ على مستوى عال من الجاهزية.
ولأسابيع، لم تتوقف إسرائيل عن التلويح بخوض حرب جديدة مع إيران، أو تنفيذ “هجوم واسع” ضد مواقع تابعة لحزب الله في لبنان، إلى جانب تحريض سياسي وإعلامي على توسيع رقعة المواجهة في غزة والضفة الغربية، ما يشير إلى أن إسرائيل تريد فتح الحرب على ثلاث جبهات و ليس إيران وحدها.
كما تستند هذه التهديدات إلى سياق إقليمي معقد، أبرز ملامحه تراجع النفوذ الإيراني في بعض ساحات المنطقة، خصوصا بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، وتلقي طهران ضربات صاروخية إسرائيلية وأميركية خلال الصيف الماضي، أسفرت عن تصفية قادة كبار في الحرس الثوري والجيش، و كذا تدمير منشآت نووية إيرانية.
ذريعة مكشوفة
من جهته اعتبر المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، أن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب العلني بأن الولايات المتحدة ستتدخل “لإنقاذ المتظاهرين الإيرانيين” في حال لجأت طهران إلى استخدام القوة المميتة “ذريعة مكشوفة للتدخل”، داعيا إلى النظر بدل ذلك في عقود طويلة من السياسات الأميركية العدائية تجاه إيران.
ولفت بقائي إلى التدخلات الأميركية في طهران واصفا إياها بالمظالم في التاريخ الإيراني الحديث، مشيرا في هذا الصدد إلى الانقلاب الذي دبرته وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية سنة 1953 وأطاح برئيس الوزراء المنتخب ديمقراطيا “محمد مصدق”، وإلى إسقاط طائرة مدنية إيرانية عام 1988 وما أسفر عنه من مقتل مئات المدنيين الأبرياء.
كما تطرق بقائي إلى الدعم الأميركي لعمليات الاغتيال الإسرائيلية التي استهدفت علماء نوويين إيرانيين، والهجمات على البنية التحتية النووية الإيرانية في عام 2025، فضلا عما وصفه بـ “أشد منظومة عقوبات فرضت على طهران في تاريخها”.
وشدد المسؤول الإيراني على أن هذه الوقائع التاريخية تكشف، نمطا ثابتا من التدخلات العدائية التي تغلف بخطاب إنساني، مؤكدا أن الإيرانيين سيتعاملون مع تحدياتهم عبر الحوار والآليات الداخلية، دون السماح لأي أطراف خارجية باستغلال الاحتجاجات الداخلية لتحقيق أجنداتها.
و في نفس السياق ، شدد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني ،علي لاريجاني، على أن دونالد ترامب يجب أن يدرك أن التدخل الأميركي في شؤون إيران الداخلية “سيغرق المنطقة بأكملها في الفوضى”، لافتا إلى أن التدخل لن يحقق أي فائدة للولايات المتحدة، و لكن سيعرض جنودها للخطر”.
وأضاف لاريجاني ، موجها خطابه إلى الرأي العام الأميركي: “أيها الشعب الأميركي، احذروا ترامب يشعل نزعات المغامرة، واحموا جنودكم” في إشارة منه إلى أن إيران ستدافع عن نفسها و عن سيادتها إن قرر ترامب الدخول إلى طهران.
إسرائيل غير جاهزة للحرب
ورغم رغبة الاحتلال الإسرائيلي في إشعال حرب مع إيران إلا أن وسائل إعلام عبرية حذرت من ضعف الاحتلال في المرحلة الحالية، حيث أفادت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” بأن خبراء حذروا من تراجع مستوى الجاهزية الإسرائيلية للتصدي لصواريخ إيرانية في حال اندلاع حرب جديدة، خاصة مع استئناف طهران إنتاجها الصاروخي عقب المواجهة التي اندلعت في يونيو الماضي.
ونقلت الصحيفة عن محللين أن مخزون الصواريخ الاعتراضية لدى كل من إسرائيل والولايات المتحدة شهد انخفاضا ملحوظا، نتيجة استهلاكه خلال التصدي لصواريخ أطلقتها حركة المقاومة الإسلامية حماس، مشيرين إلى أن تعويض هذا النقص يواجه صعوبات كبيرة، نظرا لطول المدة التي يتطلبها تصنيع هذا النوع من الصواريخ.
وخلصت التحليلات إلى أن هذه المعطيات قد تزيد من تعقيد مهمة الدفاع عن الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وتفرض تحديات إضافية على تل أبيب في حال اندلاع مواجهة عسكرية محتملة مع إيران في الظرف الراهن.
و على ضوء هذه المعطيات، تقف إيران أمام مفترق طرق دقيق، إذ أن احتواء الاحتجاجات بالقوة قد يمنح خصومها مبررات إضافية للتصعيد، فيما التراخي قد يفتح الباب أمام اتساع رقعة الغضب الداخلي.
وفي المقابل، يبدو أن الاحتلال الإسرائيلي، بدعم أميركي، يراقب المشهد عن كثب، بحثا عن لحظة مناسبة لفرض وقائع جديدة، سواء عبر ضربات عسكرية مباشرة أو عبر استثمار الضغوط الداخلية لإضعاف إيران.
وبين ضغط الشارع الإيراني ورهانات الحرب القادمة، تبقى المنطقة بأسرها رهينة توازنات شديدة الهشاشة، بحيث أن أي خطأ في الحسابات قد يتحول إلى شرارة مواجهة واسعة، تتجاوز حدود إيران لتشعل المنطقة بأكملها خاصة إن قررت تل أبيب خوض حرب مفتوحة على 3 جبهات .