story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
سياسة |

إسماعيل حمودي يكتب: المغرب وأمريكا.. حلف في الظل

ص ص

شكّل توقيع المغرب والولايات المتحدة الأمريكية على خارطة طريق جديدة للتعاون الدفاعي تمتد fdk 2026 و2036، خلال أشغال الدورة الرابعة عشرة للجنة الاستشارية للدفاع المنعقدة بواشنطن (14–16 أبريل 2026)، محطة مفصلية في مسار العلاقات العسكرية والدفاعية بين البلدين، ليس فقط من حيث مضامينها التقنية، بل من حيث دلالاتها الاستراتيجية العميقة.

تعكس هذه الوثيقة، بحسب مختصين في الأمن والدفاع، انتقالا نوعيا من نموذج للتعاون العسكري الثنائي التقليدي، إلى نمط جديد يقوم على الاندماج العملياتي متعدد الأبعاد، بما يعيد تعريف موقع المغرب داخل البنية الأمنية الإقليمية والدولية.

وتكتسب هذه الخطوة أهميتها الخاصة بالنظر إلى توقيتها، إذ تأتي 6 سنوات فقط بعد توقيع خارطة الطريق السابقة (2020–2030)، التي شكلت بدورها تطورا مهماً في حينه، رغم ملابسات السياق الإقليمي، كونها أبرمت بالتزامن مع موجة التطبيع مع إسرائيل، إلا أنها ظلت محدودة إذ جسّدت في النهاية منطق التعاون العسكري التقليدي، وركّزت على تعزيز قابلية التشغيل البيني بين القوات المسلحة، وتكثيف المناورات العسكرية المشتركة، وتوسيع مجالات التعاون الاستخباراتي، دون أن ترقى بالعلاقات إلى مستوى الاندماج البنيوي في أنظمة القيادة والسيطرة أو نقل التكنولوجيا الدفاعية على نطاق واسع.

بعبارة أخرى، فقد كانت الخطوة تعبيرا عن شراكة مؤسساتية متقدمة، لكنها بقيت ضمن حدود التعاون العسكري الثنائي.
في المقابل، تمثل خارطة الطريق الجديدة للفترة 2026–2036 قفزة نوعية في طبيعة هذه العلاقة، إذ تعكس انتقالا نحو شراكة استراتيجية عميقة تتجاوز الأبعاد الثنائية، لتندرج ضمن إعادة تشكيل أوسع للهندسة الأمنية في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل. فهي لا تقتصر على تطوير القدرات العسكرية التقليدية، بل تمتد إلى مجالات حاسمة مثل الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، والصناعات الدفاعية، والتخطيط العملياتي المشترك، وهي مجالات دقيقة تعكس إدراكا متبادلا بين الطرفين لتحولات المنطقة والمخاطر الناشئة فيها، خاصة مع تصاعد الحروب الهجينة وعسكرة قضايا الطاقة والاقتصاد والتكنولوجيا.

يمكن القول إذن بأن الوثيقة الجديدة تؤسس لتحول في العقيدة العسكرية المغربية، من نموذج يرتكز على اقتناء وامتلاك الوسائل القتالية، إلى نموذج يقوم على القدرة على دمج هذه الوسائل داخل منظومات قتالية شبكية متكاملة، ولعل أقوى مؤشر على ذلك إدماج المغرب في منظومة Link-16 العسكرية، كنقلة نوعية في الشراكة الدفاعية بين الرباط وواشنطن، بحيث أصبح أول بلد إفريقي ينجح في اختبارات التوافق التشغيلي لهذا النظام، مما يمنحه امتيازات تكنولوجية متقدمة كانت حكرا على دول حلف الناتو، بما يعزز من الفعالية العملياتية ويكرس الانتقال من منطق “القوة الكمية” إلى “القوة النوعية”.

كما يعكس هذا التحول توجها استراتيجيا نحو بناء سيادة دفاعية تدريجية، قائمة على توطين جزء من الصناعات العسكرية والانخراط في سلاسل الإنتاج التكنولوجي، بدل الاكتفاء بدور المستورد.

غير أن فهم هذا التحول لا يكتمل دون وضعه في سياقه التاريخي الأوسع، الذي يعود إلى منح المغرب صفة حليف رئيسي من خارج حلف شمال الأطلسي سنة 2004، وهي الخطوة التي أرست الأساس القانوني والمؤسساتي لتطوير التعاون العسكري بين البلدين، وفتحت المجال أمام نقل التكنولوجيا العسكرية وتوسيع برامج التدريب والتجهيز.

منذ ذلك التاريخ، شهدت العلاقة مسارا تصاعديا انتقل من شراكة أمنية وظيفية، تركز على مكافحة الإرهاب والاستقرار الإقليمي، إلى شراكة استراتيجية مؤسساتية، وصولا اليوم إلى مرحلة يمكن وصفها بـ”الاندماج العملياتي التدريجي”، التي تجعل من المغرب حليفا غير معلن للولايات المتحدة الأمريكية، أي دون توقيع اتفاق دفاع ملزمة للطرفين حتى الآن.

على هذا الأساس، فإن تحليل الأبعاد الاستراتيجية لهذه الخارطة الجديدة يقتضي مقاربة متعددة المستويات، تنطلق أولا من تتبع مسار تطور التعاون الدفاعي بين البلدين، ثم الانتقال إلى تفكيك عناصر التحول النوعي الذي جاءت به الوثيقة الجديدة للفترة 2026-2036، خاصة في ما يتعلق بإعادة تعريف العقيدة العسكرية وأدوات القوة، قبل الوقوف عند تداعيات هذا التحول على التوازنات الإقليمية، لاسيما في علاقات المغرب بكل من الجزائر وإسبانيا، في ظل سياق دولي يتسم بتزايد التنافس الجيوسياسي وإعادة توزيع الأدوار داخل المنظومة الأمنية العالمية.

من التعاون إلى الشراكة

منذ أن حصل المغرب على صفة حليف رئيسي من خارج حلف شمال الأطلسي سنة 2004، تطورت العلاقات العسكرية بينه وبين الولايات المتحدة الأمريكية بشكل تدريجي، لكنه عميق وشامل.

ويمكن القول بأن هذه العلاقة باتت نموذجا في كيفية بناء علاقات متدرجة، تعزز الثقة والتعاون معا، بحيث انتقلت من مستوى التنسيق الأمني الوظيفي في مواجهة تهديدات مشتركة -مثل الإرهاب خصوصا بعد أحداث 11 شتنبر 2001- إلى التكامل العملياتي والتكنولوجي المتقدم.

من المعلوم اليوم أن منح المغرب صفة حليف رئيسي من خارج حلف شمال الأطلسي (الناتو) كان تصنيفا استراتيجيا، لأنه مكّن المغرب بعد ذلك من الولوج أكثر إلى برامج التمويل العسكري الأمريكي، وكذا إلى برامج التدريب، إضافة إلى تسهيل اقتناء أنظمة تسليح متطورة.

في سياق ما بعد 11 شتنبر 2001، أعادت أمريكا ترتيب أولوياتها الأمنية، تحت عناوين مثل الحرب العالمية على الإرهاب، وهي حرب انخرط فيها المغرب دون تردد، ما سهّل عملية إدماجه ضمن شبكة من الشركاء الإقليميين في مكافحة الإرهاب، خصوصا في منطقة شمال افريقيا والساحل والصحراء وفي الشرق الأوسط.

الملاحظ أنه خلال هذه الفترة أيضا، تم إطلاق مناورات “الأسد الإفريقي”، التي تنظم سنويا وتحولت تدريجيا إلى أكبر تمرين عسكري متعدد الجنسيات في القارة، بمشاركة آلاف الجنود. وهي مناورات تغيرت مضامينها مع الوقت، إذ لم تعد تشكل تدريبات في مجال العمليات الخاصة ومكافحة الإرهاب فقط، بل اتّسعت لتشمل تدريبات على الحروب الهجينة، وبمكونات عملياتية تشكل الجو والبر والبحر.

في 2008، وافقت الولايات المتّحدة الأمريكية على بيع منظومة طائرات F16 للمغرب، في تطور نوعي وغير مسبوق حينها، أكد أهلية الجيش المغربي للتعامل مع التقنيات العسكرية المتقدمة، قبل إطلاق برنامج تحديث شامل لاحقا، للارتقاء بهذه الطائرات إلى معيار F-16V (Viper)، وهو من أحدث المعايير القتالية عالميا، بقيمة تقارب 4 مليارات دولار.
مع توصّل المغرب بالوحدات الأولى من تلك الطائرات في سنة 2010، كانت العلاقات تتطور باستمرار نحو شراكة أمنية أكثر عمقا، خصوصا في ظل التحولات الإقليمية إثر ثورات “الربيع العربي”.

وقد أفضى انهيار الدولة الليبية سنة 2011، وتصاعد الجماعات القتالية في الساحل والصحراء، إلى تكريس الدور المغربي باعتباره فاعلا محوريا في منظومة تبادل المعلومات الاستخباراتية، ومركز للتدريب ودعم الاستقرار الإقليمي. في تلك المرحلة وإلى اليوم، نشطت العلاقات الأمنية بين أجهزة الاستخبارات المغربية ونظيرتها الأمريكية مثل مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI).

مع مرور الوقت، لم تعد العلاقات العسكرية بين المغرب وأمريكا تقتصر على تبادل الخبرات والتداريب، أو المعلومات الاستخباراتية، أو على التسلح واقتناء المعدات، بل تطورت نحو شراكة استراتيجية ناشئة، ذات أبعاد عملياتية وصناعية، وهي المرحلة التي عبّرت عنها بوضوح خارطة الطريق للتعاون العسكري للفترة 2020-2030.

تبدوا دلالة الوثيقة في سياقها الزمني والسياسي. فقد أبرمت خارطة الطريق تلك في أكتوبر 2020، في سياق تميّز بتصاعد التهديدات في منطقة الساحل، واستمرار تداعيات انهيار الدولة الليبية، بالتوازي مع تحولات استراتيجية كبرى أبرزها إعادة تموضع الولايات المتحدة وتقليص انخراطها العسكري المباشر في بعض المناطق. كما تزامنت مع مرحلة حساسة اتسمت بإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، خاصة في ظل دينامية التطبيع وإعادة تعريف أولويات الأمن الإقليمي.

ضمن هذا السياق، جاءت خارطة الطريق كأداة لضبط العلاقة الدفاعية بين المغرب وأمريكا ضمن رؤية حاولت تجاوز الطابع الظرفي للتعاون نحو تعاون مؤسسي مستدام. وعكست خارطة الطريق تلك، انتقالا واضحا من التعاون التقليدي إلى شراكة عسكرية مؤسساتية مهيكلة، لكنها بقيت ضمن حدود نموذج “التعاون المتقدم” دون أن تصل إلى مستوى الاندماج العملياتي الكامل، كونها ركزت بشكل أساسي على تعزيز ما يسمى بـ”قابلية التشغيل البيني” بين القوات المسلحة للبلدين، وهو مفهوم مركزي في العقيدة العسكرية الغربية، يقوم على تمكين الجيوش المختلفة من العمل المشترك بكفاءة عالية ضمن بيئات عملياتية موحدة. وتجلى ذلك في تكثيف المناورات المشتركة، وعلى رأسها مناورات “الأسد الإفريقي” التي شهدت خلال هذه الفترة توسعا واضحا كما سبقت الإشارة، سواء من حيث عدد القوات المشاركة أو طبيعة السيناريوهات المعتمدة، التي أصبحت تشمل عمليات متعددة المجالات، من الحرب البرية إلى العمليات الخاصة والدعم اللوجستي والإنساني إلى الحرب الهجينة.

كما حملت الوثيقة دلالة مهمة تتعلق بتعميق التعاون الاستخباراتي، خصوصا ما يرتبط بمكافحة الإرهاب والشبكات العابرة للحدود في منطقة الساحل وغرب أفريقيا، حيث برز المغرب كشريك موثوق في تبادل المعلومات وتحليل التهديدات.

وإلى جانب ذلك، ركّزت الخارطة على تطوير القدرات البشرية من خلال برامج التكوين والتدريب العسكري، ما يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية رأس المال البشري في بناء الجيوش الحديثة، وليس فقط امتلاك المعدات العسكرية.

أما على المستوى التكنولوجي، فقد شجعت الوثيقة على تحديث القدرات العسكرية عبر اقتناء أنظمة متقدمة، لكنها لم تتضمن توجها واضحا نحو نقل التكنولوجيا أو التصنيع المشترك، وهو ما يبرز حدودها مقارنة بالمرحلة اللاحقة.

ومن حيث موقعها ضمن مسار تطور العلاقات العسكرية بين البلدين، يمكن اعتبار خارطة الطريق 2020–2030 مرحلة انتقالية حاسمة بين مرحلتين: مرحلة التأسيس التي بدأت منذ منح المغرب صفة حليف رئيسي خارج الناتو سنة 2004، والتي ركزت على بناء الثقة وتوسيع مجالات التعاون، ومرحلة الاندماج العملياتي التي ستتبلور بشكل أوضح في خارطة الطريق 2026–2036.

فهي من جهة أولى، كرّست الطابع الاستراتيجي للعلاقة، ومن جهة أخرى مهدت مؤسساتيا وتقنيا للانتقال نحو مستويات أعمق من التكامل، سواء في مجالات القيادة والسيطرة أو في إدماج التكنولوجيا المتقدمة.

وعليه، فإن الدلالة الأساسية لهذه الخارطة لا تكمن فقط في مضامينها المباشرة، بل في كونها شكلت جسرا استراتيجيا نقل العلاقة من منطق “الشراكة الوظيفية” إلى منطق “الشراكة المؤسسية المهيكلة”، ووضعت الأسس التي سمحت لاحقا بالانتقال إلى نموذج متقدم يقوم على الاندماج العملياتي والتعاون الصناعي والتكنولوجي. وبذلك، فإن أهميتها الحقيقية تكمن في كونها لم تكن نقطة وصول، بل نقطة عبور نحو مرحلة أكثر عمقا في إعادة تعريف الشراكة الدفاعية بين المغرب والولايات المتحدة.

نحو تحالف غير معلن

أخذا بعين الاعتبار السياق الطويل للعلاقات العسكرية بين البلدين، لا يمكن النظر إلى الاتفاق الدفاعي الجديد بين المغرب والولايات المتحدة للفترة ما بين 2026 و2036، باعتباره مجرد وثيقة تقنية أو إطارا تنظيميا جديدا للتعاون العسكري فقط، بل يمثل في جوهره أداة استراتيجية نوعية، تعكس في العمق رؤية بعيدة المدى لإعادة تنظيم القدرات العسكرية والأمنية في سياق دولي متقلب.

مثل هذه الوثائق، خاصة عندما تصدر في إطار شراكة مع قوة عظمى، تُصاغ وفق منطق التخطيط الاستراتيجي متوسط وطويل الأمد، حيث تتجاوز البعد العسكري لتدمج الأبعاد السياسية والتكنولوجية والصناعية والجيوسياسية في إطار متكامل.

وعليه، فوراء خارطة الطريق الجديدة تقييمات شاملة ودقيقة لمجمل التحولات التي يشهدها النظام الدولي، بفعل ارتفاع حدة التنافس والصراع بين القوى الكبرى، وسعي القوى الإقليمية إلى فرض إرادتها في مناطقها الحيوية، ما يدفع نحو تعزيز التوجه نحو التعددية القطبية.

تحولات تفضي في المراحل الانتقالية للنظام الدولي إلى اندلاع الحروب وتفجر الأزمات، علما أننا نعيش مرحلة جديدة في تطور البشرية، تتسم بعدد من التهديدات غير التقليدية، مثل الهجمات السيبرانية، والإرهاب، والحروب الهجينة.

ومن دون شك، فقد أخذ معدو الوثيقة الجديدة بعين الاعتبار السياقات الإقليمية المتوترة، خصوصا في فضاءات البحر الأبيض المتوسط ومنطقة الساحل والصحراء وخليج غينيا، والحاجة إلى حماية المعابر البحرية في مضيق جبل طارق وفي المحيط الأطلسي، إلى جانب تقييم دقيق للتأثيرات المتزايدة للتكنولوجيات المتقدمة، من قبيل الذكاء الاصطناعي والطائرات بدون طيار والقدرات الفضائية المتصاعدة.

وفي هذا الإطار، لم يعد الأمن يقاس بالقدرة على الردع التقليدي فقط، بل بمدى القدرة على التكيّف مع بيئة تهديدات معقدة ومتغيرة باستمرار، وهو ما يدفع بالقوى الدولية، بما في ذلك التكتلات العسكرية الكبرى مثل حلف الناتو، إلى إعادة تعريف عقائدها الاستراتيجية عبر إدماج مفاهيم الحرب الهجينة والدفاع السيبراني .

ومن منظور جيواستراتيجي، أثار الضابط والخبير الأمني الإسباني، رامون كويردا ريفا، في مقالة حول الاتفاق الدفاعي الجديد، ضرورة فهمه وتحليله في إطار أوسع؛ يتعلق بإعادة تشكيل التوازنات الأمنية في الجناح الجنوبي لحلف شمال الأطلسي، بحيث يبرز المغرب كفاعل محوري في ضمان استقرار الفضاء الممتد بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي ومنطقة الساحل.

فالموقع الجغرافي للمغرب، المطل على مضيق جبل طارق، يجعله نقطة ارتكاز حيوية لتأمين الممرات البحرية الاستراتيجية، كما أن انخراطه في الجهود الإقليمية لمكافحة الإرهاب يعزز مكانته كشريك لا غنى عنه في المقاربة الأمنية الأمريكية. وبذلك، لا تفهم هذه الشراكة فقط في بعدها الثنائي، بل باعتبارها جزءا من هندسة أمنية أوسع تسعى الولايات المتحدة من خلالها إلى إعادة توزيع أدوارها وتقليص انخراطها المباشر، عبر الاعتماد على فاعلين إقليميين موثوقين.

وعلى هذا الأساس، فإن الأهداف الاستراتيجية الأمريكية من هذه الشراكة تتجاوز دعم المغرب في حد ذاته، لتشمل تحقيق استقرار إقليمي أوسع، واحتواء التهديدات العابرة للحدود، وتأمين الممرات البحرية الحيوية، فضلا عن مواجهة تنامي النفوذ الصيني والروسي في القارة الأفريقية. وفي هذا الإطار كذلك، يُنظر إلى المغرب باعتباره منصة استراتيجية قادرة على دعم العمليات الأمنية في غرب أفريقيا، وتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية، وضمان الاستجابة السريعة للأزمات الإقليمية.

تركز هذه الشراكة الجديدة للعشرية القادمة على أربعة محاور رئيسية، تشمل التعاون العسكري عبر التكوين والتدريبات المشتركة، وتحديث القدرات العسكرية، وتعزيز الأمن الإقليمي، وتطوير البنية التحتية اللوجستية، بما في ذلك استخدام القواعد والموانئ والمطارات، وتخزين المعدات بشكل مسبق .

غير أن هذه الدينامية لا تهدف إلى إقامة تحالف دفاعي تقليدي بقدر ما تعكس نموذجا جديدا لإدارة النفوذ، يقوم على بناء شبكات من الشركاء الإقليميين القادرين على الاضطلاع بأدوار أمنية متقدمة.

فالشراكة مع المغرب تُستخدم كركيزة ضمن بنية الأمن الأمريكي في افريقيا والمحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، بما يسمح لواشنطن بتحقيق أهدافها الاستراتيجية دون الانخراط المباشر واسع النطاق.

في المقابل، يحقق المغرب من خلال هذه الشراكة مكاسب استراتيجية متعددة المستويات، تتجاوز البعد العسكري الضيق نحو إعادة تموضع شامل داخل معادلة الأمن الإقليمي.

فمن جهة، تسهم هذه العلاقة في ترسيخ مكانة المغرب كقوة إقليمية صاعدة، ليس بفعل تراكم القدرات العسكرية والدفاعية فقط، بل نتيجة اندماجه المتزايد في شبكات الأمن والتعاون الإقليمي والدولي.

ومن جهة ثانية، تتيح هذه العلاقة للمغرب تسريع وتيرة تحديث منظومته العسكرية والدفاعية عبر الولوج إلى تكنولوجيات متقدمة في مجالات حاسمة. فخارطة الطريق الجديدة تسمح له بالولوج إلى أنظمة القيادة والسيطرة المعمول بها لدى دول حلف “الناتو”، وهي أنظمة تقوم على الدمج بين القيادة والسيطرة والاتصالات والحواسيب والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع.

ومن شأن تلك القدرات والخبرات أن تساعده على الانتقال من منطق التسلح التقليدي إلى منطق التفوق العملياتي القائم على التكامل الشبكي.

علاوة على ذلك، من شأن التطور الجديد في العلاقات أن ينعكس على مستوى تعزيز الصناعة الدفاعية للمغرب، عبر الانخراط التدريجي في سلاسل الإنتاج والصيانة والتطوير والابتكار، وهو ما يشكل رافعة أساسية لبناء سيادة دفاعية نسبية لكن مهمة.

في هذا الإطار، قد لا يقتصر المكسب على تحسين الجاهزية القتالية للقوات المسلحة الملكية، بل قد يمتد إلى رفع كفاءتها الاستراتيجية الشاملة، خصوصا في مستويات التخطيط العسكري، والاستجابة السريعة للأزمات، والتكيف مع أنماط مختلفة من التهديدات الجديدة.

مكاسب قد تُمكن المغرب في نهاية هذه العشرية من تحقيق تفوق نوعي في محيطه الإقليمي، لا يقوم على التفوق الكمي في التسليح والعتاد العسكري، بقدر ما يستند إلى امتلاك قدرات ومنظومات عسكرية متكاملة، أكثر مرونة وفعالة في مواجهة التهديدات المختلفة، خصوصا في بيئة أمنية تتسم بالتعقيد والتغير المستمر.

التداعيات على التوازن الإقليمي

من شأن التحول الجديد في العلاقات الدفاعية الأمريكية المغربية أن تثير القلق لدى دول الجوار، ليس مع الجزائر فقط بل مع إسبانيا كذلك. فقد أشار رامون كوريدا ريفا في مقالته إلى تداعيات هذا التحول على إسبانيا تحديدا، التي ستجد نفسها من الآن فصاعدا أمام واقع استراتيجي جديد، يتمثل في تنويع الولايات المتحدة لشركائها في الجناح الجنوبي لحلف “الناتو”.

ورغم أن هذه الشراكة لا تستهدف إسبانيا بشكل مباشر، فإنها تساهم في تقليص هامش تفوقها التقليدي في شمال أفريقيا، وتفرض عليها إعادة تقييم موقعها ودورها ضمن المنظومة الأمنية الإقليمية.

وبالتالي، فإن هذه الخارطة الجديدة بين المغرب وأمريكا لا تعيد تعريف العلاقة الثنائية بين المغرب والولايات المتحدة فقط، بل تسهم أيضا في إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية في غرب البحر الأبيض المتوسط وفي المحيط الأطلسي.

من المتوقع ألا يقتصر أثر هذا التحول على البعد الرمزي، بل يمتد إلى المستوى العملياتي، حيث يفرض على إسبانيا إعادة تقييم تموضعها الدفاعي، سواء داخل حلف شمال الأطلسي أو في علاقتها الثنائية مع الولايات المتحدة، في ظل تنامي أهمية المغرب الأمنية والعسكرية.

ومع ذلك، لا ينبغي فهم هذه الدينامية في إطار منطق تنافسي صفري، إذ تظل مجالات التعاون الثلاثي قائمة، خاصة فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية.

غير أن ما يتغير فعليا هو طبيعة التوازن، حيث ينتقل من هيمنة نسبية لطرف واحد إلى توازن أكثر تعددية، يفرض على الفاعلين الأوروبيين، وفي مقدمتهم إسبانيا، التكيف مع واقع استراتيجي جديد يتسم بارتفاع الوزن النسبي للمغرب داخل معادلة الأمن الإقليمي.

أما مع الجزائر، فالوضع أكثر تعقيدا. يشير مركز “تقدم” للسياسات في ورقة حول الموضوع، إلى أن الاتفاق الدفاعي الجديد بين المغرب والولايات المتحدة يعد عاملا حاسما في تعميق الفجوة النوعية في ميزان القوى العسكرية بين البلدين. ويؤكد أن هذه الفجوة لم تعد تُقاس بالكمية -أي بعدد القوات أو الدبابات والطائرات والصواريخ- بل بطبيعة القدرات وتكاملها ضمن أنظمة قتالية متطورة. بمعنى أن اندماج المغرب المتزايد في البنية العملياتية للولايات المتحدة، وتحوله إلى منصة للعمليات المشتركة، يُعزز قدرته العملياتية على استخدام أسلحة متطورة بطريقة تتجاوز بكثير منطق التسلح التقليدي القائم على شراء معدات عسكرية منفصلة وتخزينها في الثكنات.

فعندما يحصل المغرب على نظام الاتصالات التكتيكية Link-16، على سبيل المثال، لا يعني ذلك مجرد حصوله على جهاز اتصالات جديد، بل يعني أن قواته المسلحة أصبحت قادرة على استخدام اللغة الرقمية نفسها التي تستخدمها قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مما يُتيح تنسيق الضربات وتبادل بيانات الاستهداف في الوقت الفعلي.

يتبنى المغرب ما يسمى بنهج “القوة الذكية” في سياسته الدفاعية، حيث تُوجه ميزانية دفاعية تفوق 17 مليار دولار نحو التحديث النوعي وتطوير قاعدة صناعية دفاعية محلية بالشراكة مع شركات أمريكية وأوروبية كبرى.

في المقابل، تُخصّص الجزائر نحو 25 مليار دولار لأنظمة التسليح التقليدية التي تعتمد بشكل كبير على شراء المعدات الجاهزة من روسيا والصين أساسا، وهو نمط يُعمق فجوة الكفاءة التشغيلية أكثر من كونه مجرد فرق كمي في الإنفاق.

تمتلك الجزائر أعدادا أكبر من الدبابات والطائرات المقاتلة والغواصات، لكن المغرب نجح في اكتساب القدرة على ربط هذه الأنظمة في شبكة قتالية موحدة، واستخدام الذكاء الاصطناعي في التحليل الاستخباراتي، وبالتالي إمكانية تنفيذ ضربات عميقة خلف خطوط العدو بالتنسيق مع أجهزة الاستخبارات الأمريكية.

يشير التقييم الاستراتيجي للمركز المذكور إلى أن هذه المعادلة الجديدة لن تدفع المغرب والجزائر بالضرورة نحو مواجهة عسكرية مباشرة. ويدرك الطرفان أن الحرب بينهما ستكون كارثية عليهما، وستزعزع استقرار المنطقة بأسرها، وستؤدي إلى تدخلات خارجية لا يمكن السيطرة عليها.

لكن من المرجح أن تُرسخ هذه الشراكة نمطا من الردع المتبادل، حيث يدرك كل طرف أن قدراته تحول دون تحقيق الطرف الآخر نصرا حاسما. يشبه نمط الردع هذا إلى حد كبير ما ساد خلال الحرب الباردة بين الكتلتين، حيث امتلك كل جانب قدرات منعت الآخر من المخاطرة بحرب شاملة، ومع ذلك استمر الصراع بالوكالة في ساحات أخرى.

خلاصة القول أن الاتفاق الدفاعي الجديد بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية يرتقي بالعلاقات الدفاعية بين البلدين إلى مستوى تحالف غير معلن، بمعنى تحالف عملياتي من دون سند قانوني، يعزز الاندماج والشراكة بين القوات المسلحة للطرفين.

اتفاق يعيد تشكيل الأمن الإقليمي كذلك، سواء في شمال أفريقيا أو منطقة الساحل والصحراء برمتها. ففي منطقة الساحل، التي تعاني من فراغ أمني حاد عقب انسحاب القوات الفرنسية والأمريكية من مالي والنيجر وبوركينافاسو، يُصبح المغرب، بقدراته العسكرية والدفاعية الجديدة، لاعبا محوريا قادرا على ملء جزء من الفراغ الأمني هناك، خصوصا أن العمليات الأمنية المغربية في تلك المنطقة، سواء كانت استخباراتية أو عسكرية أو تنموية، من المتوقع أن تستفيد من دعم لوجستي وتقني واستخباراتي أمريكي غير مسبوق، وهو تطور قد يمنح المغرب لأول مرة أدوات ظلت حكرا على القوى الكبرى.

أما في شمال أفريقيا، فمن المتوقع أن يُعقد الاتفاق الدفاعي الجديد المشهد الأمني والسياسي بشكل كبير. فمن جهة، قد يُسهم التكامل الدفاعي المغربي الأمريكي في تعزيز قدرات دول المنطقة على مواجهة التهديدات العابرة للحدود؛ ومن جهة أخرى، من المتوقع أن يُعمق الاتفاق الفجوة القائمة بين المغرب والجزائر، خصوصا وأن هذه الأخيرة تنظر إلى التحالف المغربي الأمريكي المتقدم باعتباره تهديدا استراتيجيا مباشرا لتوازن القوى الإقليمي، إذ يحاصرها من جوانب متعددة، وقد يدفعها إلى العناد أكثر.