story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
سياسة |

أخلاق العبيد

ص ص

فريدريتش نيتشه، الفيلسوف الألماني عدو الفضيلة الجاهزة، لم يسأل نفسه ما هي الأخلاق الصحيحة؟ بل سأل: من أين جاءت الأخلاق؟ ولمصلحة من؟

نيشته لم ير، عبر منهجه المعروف “الجينيالوجيا”، الأخلاق كونية ولا بريئة، بل اعتبرها نتاج صراع قوى داخل التاريخ (والجغرافيا أيضا).

وجغرافيا العالم الذي نتجه إليه مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تذكرنا بأهم نظريات نيتشه، فهي خريطة عالمية جديدة تتجه لغلبة “أخلاق السادة” على “أخلاق العبيد”.

هكذا تكلم نيتشه: (بتصرف) “أخلاق العبيد وأخلاق السادة هما نظامين أخلاقيين متعارضين. نظام أخلاق السادة هو نظام الأقوياء والنبلاء والمحاربين، والخير في هذا النظام هو قوة وشجاعة وكبرياء وقدرة على الفعل، بينما الشر هو الضعف والجبن والخضوع. نظام قائم على (أنا قوي إذن أنا خير)”!

بينما أخلاق العبيد هو نظام، الخير فيه هو التواضع والمساواة والصبر والشفقة، والشر فيه هو القوة والهمينة والكبرياء بمبدأ (لا أستطيع أن أكون قويا أقول أن القوة شر! أنت قوي إذن أنت شرير).

لنأتي حاليا للجزء الأكثر إثارة هو كيف انتصرت أخلاق العبيد على أخلاق السادة؟ ببساطة لأن لهم أفضلية العدد.
ولأن العبيد، ضعفاء ومقهورين وعاجزين عن الفعل والانتقام بالفعل، فقد حولوا عجزهم إلى تفوق أخلاقي!

لم يستطيعوا مجابهة السادة بالسلاح والجسد والهيمنة المباشرة والقوة الفيزيائية فحولوها إلى القوة الرمزية ونقلوها إلى مستوى القيم والقانون والضمير! لذلك يذكر نيتشه دائما بأنه لا توجد حقائق، بل فقط تأويلات! وهذا التأويل للقيم والأخلاق هو الذي دفع العبيد إلى التسلح بالمساواة كسلاح أخلاقي ليجبروا القوي على النزول إلى مستوى الضعيف

عوض أن يتميز!

وتسلحوا بقوانين تجمد القوة!

وتسلحوا بالعدالة ليصبح الضعيف قادرا على معاقبة القوي!

وتسلحوا بالضمير تلك القوة التي لا تسمح بالتعبير الخارجي فتنقلب إلى الداخل وتصبح شعورا بالذنب!

وليبرر القوي قوته ويراقب نفسه ويعتذر فوقها!

تحالف العبيد مع الدين وخصوصا المسيحية بمنظور نيشته التي مجدت الألم والطاعة وجعلت من الضعف والتضحية فضيلة! تعد بعدالة ما بعد الموت بدل الفعل، وتشيطن الحياة والجسد والغريزة وتمجد الضعف وتفرض شعور الذنب على الأقوياء! العبيد حسب نيشته قلبوا القيم عوض أن يخلقوا قيما جديدة! الأمر الذي جعلهم يبتعدون أكثر عن الحقيقة الكاملة، “إرادة القوة” التي يمكن تعريفها حسب نيتشه بكونها قوة متضمنة في كل من يطمح في الحياة.

تحالف العبيد أيضا مع الدولة فأصبحت الراعي الرسمي لأخلاقهم وأسست القوانين والمؤسسات الدولية والخطاب الإنساني الكوني! فأصبحت قوانين مقدسة غير قابلة للنقاش!

أعظم وأذكى ما جاد به ذكاء العبيد هو انتصار أخلاقهم انتصارا ساحقا! وخسر السادة القدرة القدرة على التميز، وأصبحوا يبررون قوتهم عوض ممارستها ويدينون التفوق عوض الهيمنة!

أخطر ما يحدث حاليا في هذه المرحلة التاريخية في العالم هو استعراض قوة لدونالد ترامب! فهل يحرك العالم نحو مرحلة أخرى new level unlocked! أو هو خلل في النظام Glitch in the Matrix؟

بحذر شديد، الإسقاط هنا رمزي لفلسفة نيتشه المركبة والمنتزعة من سياقها التاريخي على واقع سياسي.

خطورة ترامب تتمثل في تخلصه من عقدة ذنب القوة والهيمنة، فتصالح معها، وتبناها.. وفي طريقه لرسم خارطة عالم جديدة لا تهتم بالقوانين الدولية ولا الشرعية الشعبية ولا الصوابية السياسية! يدافع عن مصلحته “كسيد” وعن مصلحة بلده كسيدة للعالم! هو قوي ويعرف أنه قوي ويصرح بأنه قوي ويمارس قوته ولا يبررها.

اعتدت قبله روسيا على سيادة أكرانيا واعتدت إسرائيل على سيادة فلسطين واعتدت السعودية على اليمن، واعتدى بوش على سيادة العراق واعتدى العراق على سيادة الكويت والأمثلة كثيرة…لكن ما الفرق؟

من قبل كانت أخلاق السادة تستعمل أدوات أخلاق العبيد لتبرير القوة بداعي زرع الديمقراطية أو تحرير الشعوب. لكن ترامب يستعمل أخلاق السادة بأدوات أخلاق السادة، بالمصالح والهيمنة بلا لف ولا دوران. ترامب يقولوها علانية ما يهمني في فنزويلا هو النفط وسنأخذه وسنحتفظ به وسنقوم بما نحن (الأقوياء) نراه مناسبا!

ترامب يمارس القوة الحقيقية ولا ينكرها ولا يلبسها لباس الفضيلة والمخيف لنا كعبيد أنه لا يخفيها! وسنرى بعدها who is next؟

عموما هل نيشته يمجد للظلم والقسوة! خصوصا أن إساءة فهم فلسفته جعلتها إطارا فلسفيا نظريا للنازية والفاشية.

لا أبدا! هو “مزعج” في طرحه الأسئلة غير المريحة. نيشته لا يعطي أخلاقا جديدة هو يفكك الأخلاق نفسها والقيم عنده يجب أن تنبع من إرادة الفرد سيد نفسه لا أن تفرض عليه. ينتقد تحويل العجز إلى معيار أخلاقي عالمي ويرفض أخلاقا تجرم القوة لأنها قوة ويدعو إلى خلق قيم نابعة من إرادة الحياة لا من حقد العبد على السيد!

ما موقع “عبيد المغرب” من “سادة العالم” الجدد؟

لا محيد عن تقوية الجبهة الداخلية فلا حليف حقيقي للحاكم إلا شعبه، وشعبه فقط! ولا حليف للشعب إلا الالتفاف على بعضه وأرضه ورموزه! جبهة داخلية صلبة بعقد اجتماعي قوي قائم على تدبير مصالح الشعب بالانضباط والمسؤولية والجدية، جبهة داخلية تحتضن أبناءها وأدمغتهم وكفاءاتهم وأفكارهم لأنهم القادرون على خلق القوة لتعديل الكفة! جبهة داخلية صلبة تعوض الشعبوية بالشعبية، والسلطوية بالشرعية!

هل هذا يعني أننا سنصمد أمام منطق القوة الملموسة؟ لا أعلم ولا رغبة لي في أن يحصل هذا السيناريو لكي أعلم، لكن على الأقل لن تجد خائنا واحدا يفتح أبوابه من الداخل! ستجد شعبا ملتحما مقاوما شجاعا مقبلا غير مدبر!

ولأنه “رحم الله عبدا عرف قدر نفسه” فلا يسعني كعبدة ضعيفة من عبيد العالم إلا أن أعرب عن قلقي وأدعو إلى ضبط النفس وأندد بانتهاك القانون الدولي والاحتكام إلى تطبيق مبادئ حقوق الإنسان واحترام سيادة الدول والشعوب.

رفض التبرير الأخلاقي للضعف يقابله أيضا رفض للاعتداء على سيادة الأفراد والشعوب والدول! وكما أرفض تمجيد الضعف والذنب والشفقة، أرفض تمجيد القوة والتسلط أيضا! “لا توجد أخلاق خارج السلطة، لكن يمكن مقاومة السلطة دون تمجيد القوة”.