story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
اقتصاد |

كأس العالم 2030.. المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يحذر من تداعيات الاستدانة

ص ص

يمثل احتضان المغرب، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، لكأس العالم 2030 “مناسبة لتسريع تحديث البنيات التحتية وتعزيز جاذبية المملكة وقدراتها الإنتاجية”، غير أن حجم الاستثمارات المرتبطة بهذه الأوراش يطرح، في المقابل، جملة من المخاطر المرتبطة بالاستدامة المالية ونجاعة الاستثمار وتمويل القطاع الخاص، وفق ما رصده المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في تقريره السنوي لعام 2025.

ويشير المجلس إلى أن النفقات المنجزة والمبرمجة في إطار تنظيم كأس العالم 2030 قد تبلغ “حوالي 190 مليار درهم” خلال الفترة الممتدة بين 2024 و2030. هذا المجهود الاستثماري الهائل يعادل “نحو 11.9 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي لسنة 2024″، ويتوزع على مجالات حيوية تشمل البنيات التحتية السككية والمطارات، والمنشآت الرياضية، والشبكات الطرقية والحضرية، والبنيات التحتية السياحية والاستشفائية، إضافة إلى شبكات الاتصالات.

ويرتكز تنفيذ الجزء الأكبر من هذا البرنامج الاستثماري، بحسب التقرير، على المؤسسات والمقاولات العمومية، التي ستتحمل استثمارات تعادل*”حوالي 7.4 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي”، مقابل 3.2 في المائة بالنسبة للجماعات الترابية، و1.4 في المائة بالنسبة للميزانية العامة للدولة.

ويرى المجلس أن هذه الاستثمارات يمكن أن تكون لها انعكاسات إيجابية على الاقتصاد، خصوصاً على المدى القصير، من خلال دعم النشاط في قطاعات البناء والأشغال العمومية ومواد البناء والنقل واللوجستيك والسياحة والخدمات الحضرية، فضلاً عن الإسهام في إحداث فرص للشغل.

وعلى المديين المتوسط والطويل، يتوقع التقرير أن تساهم الاستثمارات في الرفع من الناتج الداخلي الإجمالي والإنتاجية، عبر تحسين البنيات التحتية للنقل والمنصات اللوجستيكية وتعزيز الربط بين المجالات الترابية، بما يمكن أن يدعم اندماج المغرب في سلاسل القيمة الإقليمية والعالمية، ويحفز الاستثمارات الخاصة الوطنية والأجنبية.

لكن هذه المكاسب المحتملة لا تلغي، بحسب المجلس، مجموعة من المخاطر التي ينبغي تدبيرها لضمان الاستدامة المالية والنجاعة الاقتصادية لهذه الأوراش.

89% من الاستثمارات عبر الاستدانة

في مقدمة المخاطر التي يثيرها التقرير، تأتي الاستدامة الميزانياتية والمالية للمشاريع المرتبطة بهذه الأوراش. فبحسب التقديرات التي أوردها المجلس، “سيتم تمويل جزء كبير منها عن طريق الاستدانة بنسبة 89 في المائة”*.

ويحذر التقرير من أن مشاريع البنيات التحتية الكبرى المرتبطة بالتظاهرات الدولية قد تواجه احتمال تجاوز التكاليف المبرمجة أو تحقيق مردودية اقتصادية أدنى من التوقعات الأولية.

ويكتسب هذا الخطر أهمية أكبر بالنظر إلى اعتماد المغرب على مديونية المؤسسات والمقاولات العمومية، إضافة إلى آليات التمويل المهيكلة والشراكات بين القطاعين العام والخاص، والتي قد تتضمن التزامات محتملة على عاتق الدولة، “من قبيل ضمان حد أدنى من المردودية أو غير ذلك”.

ولا يقف القلق عند مستوى حجم الدين، إذ يربط المجلس مخاطر الاستدانة أيضاً باحتمال ارتفاع كلفة بعض المشاريع مقارنة بالتقديرات الأولية، أو عدم تحقيقها للنقاط الإضافية المنتظرة على مستوى النمو الاقتصادي.

مردودية الاستثمار تحت المجهر

الخطر الثاني الذي يرصده المجلس يتعلق بالنجاعة الاقتصادية للاستثمار. فرغم التقدم المحرز في البنيات التحتية، يعتبر التقرير أن “المردودية الاقتصادية للاستثمار بالمغرب لا تزال محدودة نسبياً”.

ويستند المجلس في ذلك إلى التدهور التدريجي لمؤشر المعامل الهامشي للرأسمال (ICOR)، بما يعني أن تحقيق الوتيرة نفسها من النمو الاقتصادي يتطلب مستويات متزايدة من الاستثمار.

ويعزو التقرير هذا الوضع أساساً إلى هيمنة الاستثمار العمومي، الذي “غالباً ما تكون آثاره على النمو مؤجلة”، وإلى طبيعة بعض الاستثمارات التي لا تكون انعكاساتها الاقتصادية فورية أو مضمونة بصورة ممنهجة.

كما يلفت المجلس إلى أن جزءاً مهماً من هذه الاستثمارات يعتمد على استيراد المواد الوسيطة ومعدات التجهيز، وهو ما قد يحد، على المدى القصير، من آثارها الامتدادية على القيمة المضافة الوطنية.

وبالتالي، فإن نجاح البرنامج الاستثماري المرتبط بأفق 2030، وفق التقرير، يرتبط بقدرة المشاريع على تحقيق مكاسب مستدامة في الإنتاجية، وتعزيز الاندماج المحلي في سلاسل القيمة، وتحفيز الاستثمار الخاص، خصوصاً استثمارات المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة.

الأكثر عرضة للمخاطر

أما الخطر الثالث، فيرتبط بتمويل القطاع الخاص، إذ يحذر من أن “تنامي حاجيات تمويل الدولة والمؤسسات والمقاولات العمومية” قد يقلص من هامش تدخل الفاعلين الخواص، ولا سيما المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة.

ويشير التقرير إلى أن “حوالي 71 في المائة من الاستثمارات العمومية المبرمجة في إطار هذه الأوراش الكبرى يُرتقب أن تمول عبر الدين الداخلي”، سواء من خلال القروض البنكية الممنوحة للمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، أو عبر إصدار سندات الخزينة. ويرى المجلس أن هذا المعطى يكتسي أهمية خاصة في ظل التطورات التي شهدها التمويل البنكي؛ حيث نما حجم القروض المستحقة على القطاع العام بوتيرة تفوق بكثير وتيرة نمو القروض الموجهة إلى الشركات الخاصة.

وقد أفرز هذا المنحى وضعية استثنائية؛ إذ إن “معدل القروض الموجهة للقطاع العام مقارنة بالقروض الموجهة للقطاع الخاص بلغ مستوى 1 مع نهاية سنة 2025″، وهي بحسب التقرير، “وضعية غير مسبوقة خلال السنوات الأربع والعشرين الأخيرة”. كما يسجل المجلس أن “معدل نمو القروض الموجهة إلى القطاع العام، منذ سنة 2023، أصبح يفوق بحوالي ست مرات معدل نمو القروض الموجهة إلى القطاع الخاص”.

ويحذر التقرير من أن “تزايد إقبال المؤسسات البنكية على تمويل الفاعلين العموميين، باعتبارهم أقل تعرضاً للمخاطر”، قد يؤدي إلى “التقليص من إمكانات ولوج المقاولات الخاصة إلى التمويل”، خصوصاً المقاولات الصغرى والمتوسطة التي تعد “أكثر عرضة للمخاطر”. ويشرح المجلس أن هذا الوضع قد يحد من قدرة هذه المقاولات على الاستثمار وإحداث فرص الشغل والاستفادة من الفرص الاقتصادية التي تتيحها أوراش البنيات التحتية الكبرى.

رهان 2030.. بين الاستثمار والنجاعة

.رغم هذه المخاطر، لا يقدم المجلس الاستثمار المرتبط بكأس العالم 2030 باعتباره عبئاً اقتصادياً، بل يعتبره “فرصة استراتيجية لتسريع التحول الهيكلي للاقتصاد المغربي”، شريطة التحكم في مخاطره المالية والاقتصادية. ويؤكد التقرير أن الرهان لا يتعلق فقط بتنفيذ المشاريع في الآجال المحددة، وإنما بقدرتها على “إنتاج آثار امتدادية مستدامة لفائدة الاقتصاد الوطني”.

ومن هذا المنطلق، يبرز تحدي الاستدانة كأحد المحاور الأساسية التي ينبغي تدبيرها؛ فتمويل الجزء الأكبر من هذه الأوراش بالدين يفرض ضمان قدرة الاستثمارات على تحقيق المردودية المنتظرة، مع “تفادي أن تؤدي دينامية الاستثمار العمومي إلى الحد من فرص ولوج المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة إلى القروض البنكية”.

كما يربط المجلس نجاح هذه الأوراش بمدى قدرة المقاولات المغربية على الاستفادة من الاستثمارات الكبرى، عبر “مواكبة هذه المقاولات في جهود التأهيل وتعزيز قدراتها”، حتى تتمكن من “الاندماج الفعلي في سلاسل القيمة التي تفرزها الاستثمارات والأوراش الكبرى المهيكلة”.

وهكذا، يضع التقرير كأس العالم 2030 ضمن معادلة تتجاوز تنظيم الحدث الرياضي نفسه؛ فهي استثمارات ضخمة يمكن أن ترفع جاذبية المغرب وتدعم النمو، لكنها تستوجب في الوقت ذاته “تعزيز حكامة مشاريع الاستثمار الكبرى وضمان نجاعة الاستثمار العمومي”.