story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
سياسة |

غار الجبيلات.. المسكوت عنه

ص ص

هناك عنصر آخر لا بد من استحضاره عند محاولة الإمساك بكامل خيوط ملف الحدود المغربية الجزائرية، يتمثل في العنصر الاقتصادي، وذلك الاتفاق الذي وقّع في اليوم نفسه وفوق الطاولة نفسها بين الجانبين، إلى جانب اتفاق رسم الحدود، أي الاتفاق المتعلق بالاستغلال المشترك لمنجم “غار جبيلات”.

وللإمساك بجذور الاتفاق نعود إلى منطقة وسطى بين معاهدة الأخوة وحسن الجوار الموقعة في 1969، واتفاق رسم الحدود الموقع في 1972، إذ لا بد من استحضار لقاء تلمسان الاستثنائي، الذي جمع بين الملك الراحل الحسن الثاني والرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين، وذلك في سابع ماي 1970.

كان ذلك اللقاء تتويجا لاتصالات سرية حول ملف الحدود المغربية الجزائرية، وفي سياق دينامية كبيرة عرفتها المنطقة العربية، وعبّرت فيها الجزائر عن دعمها الواضح للمغرب المُطالب بأراضيه الصحراوية الخاضعة للاحتلال الإسباني.

انتقل الملك الراحل يومها من مدينة وجدة إلى تلمسان، رفقة وفد استثنائي وضخم يضم كلا من إدريس السلاوي، المدير العام للديوان الملكي، والأمير مولاي الحسن بن إدريس، وأحمد العراقي الوزير الأول، وعبد الهادي بوطالب وزير الخارجية، والحاج محمد باحنيني وزير العدل والأمين العام للحكومة، والجنرال محمد أوفقير وزير الداخلية، وعبد الكريم الأزرق وزير المالية وعدد آخر من الوزراء…

التقى الملك الراحل بالرئيس الجزائري على انفراد، ثم قام باستدعاء كل من السلاوي والعراقي لبضع دقائق، قبل أن ينادي على وزير الخارجية عبد الهادي بوطالب ويأمره بتحرير بلاغ مشترك مع نظيره الجزائري عبد العزيز بوتفليقة. هذا الأخير فاجأ بوطالب بصيغة مكتوبة سلفا للبلاغ المشترك، تتضمن إدانة ضمنية للمطالب الترابية للمغرب وتنوه بدخول مرحلة “النضج والعقلانية”.

صيغة أثارت غضب عبد الهادي بوطالب، وجعلته ينتفض ويرفض التوقيع عليه، فتم استبداله بالحاج محمد با حنيني. وقد كشف بوطالب في حواراته الصحافية التي أجراها في سنوات عمره الأخيرة، أن الحسن الثاني أطلعه على تفاصيل الاتفاق الذي توصل إليه مع بومدين، والتي تقضي بتنازل المغرب عن مطالبه الترابية، شرط إقامة شراكة حول منجم “غار جبيلات”، تجعله يُستغل مناصفة بين البلدين.

روى المستشار الراحل عبد الهادي بوطالب، الذي شغل عدة مسؤوليات إلى جانب الملك الراحل الحسن الثاني، ضمن سلسلة حوارات أجراها مع صحيفة “الشرق الأوسط” سنة 2001، كيف دخل عقب قمة تلمسان في عملية ملاحقة مريرة لنظيره الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، بأمر من الحسن الثاني، لمناقشة تفاصيل تفعيل الشق الاقتصادي من الاتفاق.

كان الطرف الجزائري يتهرب من دعوات المغرب للجلوس إلى الطاولة لمناقشة تفاصيل الشراكة الاقتصادية، إلى أن فاجأ بوتفليقة نظيره المغربي على هامش إحدى القمم الإفريقية، بالقول إن هناك سوء تفاهم حول الموضوع، وإن الجزائر تعني بالمناصفة مرحلة ما بعد تحقيق اكتفائها الذاتي وليس من البداية.

سوء الفهم هذا بدا كما لو تبدد بعد التوصل إلى اتفاق رسمي بين البلدين، وتم التوقيع إلى جانب اتفاقية رسم الحدود، في منتصف يونيو 1972، على اتفاقية ثنائية تتعلق بالاستثمار المشترك لمنجم غار الجبيلات.

وتنص المادة الأولى من الاتفاقية، كما تتضمنها سجلات الجريدة الرسمية الجزائرية، على تأسيس شركة جزائرية مغربية لاستثمار المنجم. فيما تنص المادة الثانية على تقاسم البلدين الإشراف على جميع مراحل الاستثمار، من الدراسات الأولية إلى التسويق.

كما نص الاتفاق على تحديد كمية الحديد الخام الذي ينبغي أن تحصل عليه هذه الشركة، وهي 700 مليون طن، يقتطع منها المغرب الكمية التي تلبي حاجياته الداخلية. أي أن الاتفاق اعترف بحق الدولة الجزائرية في ملكية المنجم، ولم ينقل سوى كمية محددة من مخزوناته إلى الشركة المشتركة، وأمهل الاتفاق مدة 60 سنة لاستيفاء هذه الشراكة لأهدافها، أي حصول الشركة المشتركة بين البلدين على 700 مليون طن.

في ندوة صحافية عقدها الملك الراحل الحسن الثاني يوم 16 يونيو 1972 على هامش المؤتمر التاسع للقمة الإفريقية، سأل أحد الصحفيين الملك السؤال التالي: ”وقع المغرب والجزائر اتفاقيتين تتعلق إحداهما بالتعاون الاقتصادي، فهل بإمكان جلالتكم إعطاء بعض الإيضاحات في هذا الشأن، وخاصة فيما يتعلق باستخراج المعادن ونقلها، ومن أين يتم نقلها وإلى أي ميناء، وكذا فيما يخص التمويل وشروط هذا الاتفاق؟“.

وقدّم الملك في تلك المناسبة الإيضاحات التالية: “سيتم الإعلان عن هذا الاتفاق الذي سينشر، غير أنه بإمكاني أن أتحدث عن جانبه الاقتصادي. إن الأمر يتعلق بشركة مختلطة جزائرية مغربية تتكلف بإيجاد طريقة للتمويل من أجل استخراج المعدن الذي سينقل بواسطة السكة الحديدية من تندوف إلى إقليم طرفاية قصد تسويقه لفائدة الطرفين بشكل متعادل، والواقع أن هذا الاتفاق في حد ذاته ليس غاية، فهو لا يتطلب سوى أمرا واحدا، وهو أن الثروة التي كانت مكتنزة دون الاستفادة منها ستبرز إلى حيز الوجود، كما أن الأثار المترتبة عن هذا الاستغلال المشترك لن تظهر فحسب على الصعيد الاقتصادي والمالي بالنسبة للبلدين، ولكنها ستظهر على المستوى السياسي والبشري”.

الملف الكامل حول “الحدود الحقة.. أضواء على الزوايا المظلمة من الحدود الترابية للمغرب” في عدد مجلسة “لسان المغرب”